بين عشية وضحاها، وجدت عدد من الأسر نفسها أمام واقع صعب بعد هدم منازل كانت تمثل بالنسبة إليها أكثر من مجرد جدران وسقف؛ كانت مسكناً، وملاذاً، وذاكرة سنوات طويلة، وفضاءً عاشت فيه أجيال من الأسر داخل عدد من الدواوير التابعة للملحقة الإدارية رمل هلال.
هذه الأسر، التي أقامت لسنوات داخل منازلها، ظلت تتابع عمليات البناء والتشييد التي كانت تتم تدريجياً، جزءاً بعد جزء، وتحت أنظار الجميع، قبل أن تبدأ خلال الأشهر الأخيرة عمليات الهدم، وهو ما شكل صدمة كبيرة للعديد من المواطنين الذين وجدوا أنفسهم أمام فقدان مساكنهم دون أن تكون لديهم، بحسب ما يتم تداوله، بدائل واضحة وسريعة تضمن لهم الاستقرار.
ومع اقتراب الدخول المدرسي، تزداد معاناة الأسر التي أصبحت بين خيارين أحلاهما مر: إما تحمل تكاليف الكراء رغم صعوبة الظروف الاجتماعية والمادية، أو الانتظار أملاً في الاستفادة من سكن بديل، في وقت لا تزال فيه علامات الاستفهام مطروحة حول مستقبل هذه الأسر وموعد إيجاد حلول نهائية لوضعيتها.
السؤال الذي يطرح نفسه اليوم بقوة هو: من يتحمل المسؤولية؟
فإذا كانت هذه المباني غير قانونية، فإن المواطنين يتساءلون عن دور الجهات المختصة وأعوان السلطة الذين كانوا، بحسب إفادات عدد من السكان، يتابعون مختلف مراحل البناء داخل هذه المناطق. لماذا لم يتم تنبيه المواطنين في الوقت المناسب إلى الوضعية القانونية لهذه المباني؟ ولماذا تُركت عمليات البناء تستمر لسنوات قبل أن تصل الأمور إلى مرحلة الهدم؟
إن المواطن البسيط لا يمكن أن يتحمل وحده تبعات وضعية كانت تتم أمام أعين الجهات المعنية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأسر محدودة الدخل، وجدت نفسها اليوم بدون سكن قار، في وقت تزداد فيه أعباء المعيشة وتكاليف الكراء والدراسة.
المسألة لا تتعلق فقط بالإسمنت والحجارة، بل بأسر فقدت جزءاً من حياتها. فكل منزل كان يحمل ذكريات، وأحلاماً، وأياماً عاشها الأطفال والآباء والأمهات، وكل غرفة كانت شاهدة على سنوات من الكفاح من أجل توفير أبسط شروط العيش الكريم.
واليوم، يجد عدد من هذه الأسر نفسها أمام واقع جديد عنوانه الانتظار والقلق، في ظل تساؤلات مشروعة حول السكن البديل، وحول الإجراءات التي ستتخذها الجهات المسؤولة لتفادي ترك المواطنين في وضعية اجتماعية صعبة.
وفي الوقت الذي تعيش فيه هذه الأسر هذه الظروف، بدأت بعض الوجوه السياسية، مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، تظهر من جديد داخل الأحياء السكنية والدواوير، في محاولة لكسب ثقة المواطنين والتواصل مع الناخبين.
وهنا يحق للمواطن أن يسأل: أين كنتم خلال السنوات الماضية؟ وماذا قدمتم لهذه الأسر قبل أن تصل الأمور إلى ما وصلت إليه؟
فالمواطن لا يحتاج فقط إلى الزيارات خلال فترات الانتخابات، ولا إلى الصور والوعود والشعارات، وإنما يحتاج إلى منتخبين يتابعون قضايا السكان طيلة الولاية الانتخابية، ويدافعون عن مصالحهم، وينقلون معاناتهم إلى الجهات المسؤولة، ويبحثون عن حلول واقعية قبل تفاقم الأوضاع.
لقد وثق المواطنون في المنتخبين والبرلمانيين ومنحوهم أصواتهم أملاً في تحسين أوضاعهم والدفاع عن حقوقهم، لكن ما تعيشه بعض الأسر اليوم يجعل من الضروري طرح سؤال المسؤولية السياسية والمؤسساتية بكل وضوح.
فالعيش الكريم، والصحة، والتعليم، والسكن اللائق، ليست شعارات موسمية، وإنما قضايا أساسية تحظى بمكانة مهمة في التوجيهات الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، الذي ما فتئ يؤكد على ضرورة تحسين ظروف عيش المواطنين وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية.
كما أن المواطنين يتطلعون إلى تنزيل البرامج المتعلقة بإعادة الإسكان ومعالجة أوضاع الأسر المتضررة بالسرعة والفعالية اللازمتين، حتى لا تتحول مرحلة الانتظار إلى معاناة جديدة تضاف إلى معاناة فقدان السكن.
اليوم، الأسر المتضررة لا تبحث عن الامتيازات، وإنما عن حل يحفظ كرامتها ويضمن لأبنائها الاستقرار، خصوصاً مع اقتراب الموسم الدراسي، حيث تحتاج الأسر إلى بيئة مستقرة تساعد أبناءها على متابعة دراستهم دون أن تتحول أزمة السكن إلى أزمة اجتماعية وتعليمية أكبر.
إن ما وقع يستدعي طرح عدد من الأسئلة بجدية ومسؤولية: من رخص؟ ومن راقب؟ ومن كان يعلم بعمليات البناء؟ ولماذا لم تتم معالجة الوضع في بدايته؟ ومن يتحمل مسؤولية الأسر التي أصبحت اليوم دون سكن قار؟
أسئلة تنتظر أجوبة واضحة من الجهات المعنية، بعيداً عن الحسابات السياسية أو الانتخابية، لأن المتضرر في نهاية المطاف هو المواطن البسيط الذي فقد مسكنه، وفقد معه جزءاً من أحلامه وذكرياته، وأصبح يبحث فقط عن مكان آمن ومستقر يعيش فيه رفقة أسرته بكرامة.
المواطنون ينتظرون اليوم أفعالاً لا وعوداً، وحلولاً لا خطابات، واستجابة عاجلة تحفظ للأسر المتضررة حقها في العيش الكريم والاستقرار.
ويبقى السؤال الأهم: هل ستتحرك الجهات المسؤولة بشكل عاجل لإنهاء معاناة هذه الأسر، أم سيظل المواطن البسيط وحده في مواجهة تبعات وضعية استمرت لسنوات أمام أنظار الجميع؟


Comments
0