لم يعد الحديث عن تطوير الصناعة التقليدية ترفا خطابيا أو شعارا مؤجلا، بل أضحى ضرورة ملحة تفرضها تحولات السوق العالمية وإيقاعها المتسارع. ومن هذا المنطلق، جاءت المحطة التكوينية التي احتضنها المعهد المتخصص في فنون الصناعة التقليدية بمدينة العيون لتعلن بوضوح أن زمن التردد قد انتهى، وأن مرحلة جديدة قد بدأت، عنوانها الفعل والنتائج.

هذه المبادرة، الموجهة لتعاونيات جهة العيون الساقية الحمراء، لم تُصمم لتقديم معرفة نظرية عابرة، بل لتأسيس وعي مهني جديد قائم على امتلاك أدوات التسويق الرقمي وفهم دقيق لآليات التصدير. فالعالم اليوم لا ينتظر المتأخرين، ولا يمنح الفرص إلا لمن يحسن الاستعداد ويجيد التموقع.
وقد أعطى حضور السيد البيلال النوف، مدير الصناعة التقليدية، لهذا اللقاء بعداً استراتيجياً واضحاً، حيث أكد أن هذا الورش يندرج ضمن تفعيل البرنامج التنموي المندمج للجهة (2022-2027)، الذي يراهن على جعل الصناعة التقليدية رافعة حقيقية للتنمية. غير أن هذا الرهان، مهما بلغت قوته المؤسساتية، يظل مشروطاً بمدى انخراط الفاعلين الميدانيين في منطق التغيير الفعلي، بعيداً عن الاكتفاء بالانتظار أو التعويل على الدعم وحده.

وفي هذا السياق، قدمت تعاونيات إقليم السمارة نموذجاً يستحق التوقف عنده، حيث أبانت عن استعداد جاد للانخراط في هذه الدينامية. فقد شاركت تعاونية بوادر الخير، وتعاونية أنامل الطلح، وتعاونية وزان، وتعاونية العجيل، وتعاونية البير الحلو بمنتجات تعكس عمق الهوية المحلية، لكنها في الآن ذاته مطالبة بتطوير طرق عرضها وتسويقها بما ينسجم مع معايير السوق الدولية.
إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في القدرة على الإنتاج فقط، بل في القدرة على التسويق الذكي، وبناء علامة مميزة، وفرض الحضور في فضاء رقمي مفتوح لا يعترف إلا بالجودة والابتكار. وهو ما يجعل من هذه الدورات التكوينية فرصة لا تحتمل التهاون، بل تستدعي انخراطاً مسؤولاً واستثماراً فعلياً لكل ما يُقدَّم من معارف وخبرات.
وتمتد هذه الدورات على مدى أشهر أبريل وماي ويونيو 2026، في مسار زمني كافٍ لإحداث الفرق، شريطة أن يُترجم إلى ممارسات ملموسة. فالصناعة التقليدية المغربية تمتلك كل مقومات النجاح، لكنها اليوم أمام امتحان حقيقي: إما أن تتحول إلى قوة اقتصادية فاعلة قادرة على المنافسة عالمياً، أو تظل حبيسة نماذج تقليدية لم تعد قادرة على الصمود.
إنها لحظة حسم، لا مكان فيها للتردد. فإما الارتقاء… أو التراجع.


Comments
0