من قال إن المرأة لا تولى؟ ومن أين جاءت هذه العبارة حتى تحولت، في بعض الخطابات، من مسألة فقهية لها سياقها وتفاصيلها إلى قاعدة عامة تبدو وكأنها تختصر موقف الإسلام كله من المرأة والسلطة والمسؤولية؟ وهل نحن أمام نص قطعي لا يحتمل التفصيل، أم أمام اجتهاد فقهي تشكّل داخل نظام سياسي وتاريخي معين، ثم امتد في الوعي الاجتماعي حتى اختلط فيه النص بالعرف، والفقه بالتقاليد، والتاريخ بالحكم الشرعي؟
ربما يكون أول ما ينبغي استعادته هو معنى الولاية نفسه. فالولاية، في جوهرها، ليست تاجًا ولا امتيازًا، وإنما مسؤولية ورعاية وأمانة وتحمّل للتبعة. وفي الحديث النبوي: “والمرأة راعية على بيت زوجها وولده، وكلّكم راعٍ وكلّكم مسؤول عن رعيته”. فالمرأة، في هذا التصور، ليست خارج دائرة المسؤولية، بل داخلها، وليست مجرد موضوع للرعاية، وإنما صاحبة رعاية ومسؤولية ومحاسبة.
لكن في الجهة الأخرى من النقاش يقف الحديث الصحيح المشهور: “لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة»”. وهو حديث ثابت في صحيح البخاري، ويروي أبو بكرة أنه قيل عندما بلغ النبي ﷺ أن الفرس ملكوا ابنة كسرى. ومن الأمانة العلمية ألا نتجاهل هذا الحديث أو ننكر صحته لمجرد أنه يثير إشكالًا مع بعض القراءات المعاصرة. غير أن ثبوت الحديث شيء، وتحديد مجاله الفقهي والدلالي شيء آخر. ومن هنا بدأ الخلاف: هل يُحمل الحديث على كل صور الولاية العامة في كل زمان ومكان، أم على نوع محدد من السلطة العليا ضمن بنية سياسية تاريخية كانت لها خصائصها؟ وهل كل منصب في الدولة الحديثة هو عين «الإمامة العظمى» التي تحدث عنها فقهاء العصور السابقة؟ هذه ليست أسئلة للالتفاف على النص، بل هي صميم عملية فهم النص.
والقرآن نفسه يضع أمامنا مشهدًا لا يمكن تجاوزه بسهولة. ففي سورة النمل يقول الهدهد عن سبأ: «إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم». ثم يعرض القرآن لنا ملكةً تستشير أهل الرأي قبل اتخاذ القرار: «يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرًا حتى تشهدون». ولا يصح تحويل قصة ملكة سبأ إلى نص تشريعي مباشر يقول إن كل امرأة يجوز لها أن تتولى كل منصب سياسي، كما لا يصح، في المقابل، تجاهل دلالتها السردية وتحويلها إلى صورة غائبة من المشهد القرآني. فالقرآن لم يجعل مجرد كونها امرأة سببًا كافيًا لإسقاط قيمتها السياسية، بل عرضها باعتبارها صاحبة ملك وقرار ومشاورة وتدبير.
ومن هنا تبدأ المنطقة التي تحتاج إلى عقل هادئ، لا إلى شعار جاهز: التمييز بين النص والفقه.
فالفقه الإسلامي لم يكن كتلة واحدة في جميع أبواب الولاية. صحيح أن جمهور الفقهاء قيّدوا المرأة في الإمامة العظمى، واستندوا في ذلك إلى الحديث وإلى تصورهم لطبيعة السلطة العليا في نظامهم السياسي. لكن أبواب القضاء والولايات المختلفة شهدت نقاشًا واختلافًا في مدى أهلية المرأة لبعض صور المسؤولية العامة. ولذلك فإن العبارة القائلة إن «الإسلام أو الفقه الإسلامي يمنع المرأة من كل ولاية» أوسع من الأدلة التي يستند إليها هذا التعميم، كما أن القول المقابل بأن التراث الفقهي لم يعرف أي تحفظ على تولي المرأة للسلطة السياسية ليس دقيقًا أيضًا.
المسألة إذن ليست بين «نص» و«لا نص»، وإنما بين نصوص، ودلالات، وسياقات، واجتهادات، وتصنيفات للولايات، ونظام سياسي تاريخي يختلف في بنيته عن الدولة الحديثة.
وهنا تحديدًا ينبغي أن نتوقف عند الفرق بين الإمامة العظمى والدولة الحديثة. فالإمام في التصور السياسي الكلاسيكي لم يكن مجرد رئيس حكومة بالمعنى المعاصر، بل كانت سلطته تجمع، بدرجات مختلفة، وظائف الحكم والتدبير العسكري والقضاء والشأن العام. أما الدولة الحديثة فهي بنية مؤسساتية تقوم على توزيع الاختصاصات، وعلى الدساتير والقوانين والمؤسسات والأجهزة التنفيذية والتشريعية والقضائية. ولذلك فإن نقل حكم فقهي نشأ في سياق تاريخي محدد إلى كل منصب سياسي معاصر، دون النظر في طبيعة المنصب نفسه، هو اختصار لمسألة تحتاج إلى تفصيل.
ثم يأتي التاريخ ليكشف أن المجتمعات الإسلامية لم تكن دائمًا نسخة واحدة من كتب الفقه، وأن الواقع التاريخي كان أكثر تعقيدًا من الشعارات التي نعيد ترديدها اليوم.
في المغرب، تبرز زينب النفزاوية، التي تصفها دراسات تاريخية حديثة بأنها كانت شخصية محورية في بناء الدولة المرابطية، وذات دور سياسي وثقافي مؤثر، ومستشارة لأبي بكر بن عمر ويوسف بن تاشفين. وتذهب دراسة أكاديمية حديثة إلى وصفها بأنها كانت شريكة في الحكم مع يوسف بن تاشفين، مع التنبيه إلى أن الروايات التاريخية حول شخصيتها ودورها تحتاج إلى قراءة نقدية، ولا ينبغي تحويلها إلى أسطورة.
ثم نصل إلى السيدة الحرة، حاكمة تطوان في القرن السادس عشر، التي تقدم مثالًا أكثر مباشرة على ممارسة المرأة للسلطة السياسية. فقد كانت حاكمة فعلية في شمال المغرب، وارتبط حكمها بمرحلة من الصراع مع البرتغاليين والإسبان، كما ارتبط اسمها بالنشاط البحري والسياسي في المنطقة. وتصفها دراسة أكاديمية منشورة عن تاريخ شمال إفريقيا بأنها كانت حاكمة لتطوان وفاعلة سياسية وعسكرية بارزة في تلك المرحلة.
وفي الأندلس، تبرز عائشة الحرة، والدة أبي عبد الله الصغير، باعتبارها واحدة من الشخصيات النسائية ذات الحضور السياسي في السنوات الأخيرة من غرناطة. ولا ينبغي تضخيم دورها إلى ما لا تثبته المصادر، لكن لا يمكن أيضًا محو حضورها من المشهد السياسي الأندلسي لمجرد أن الرواية التقليدية عن السلطة غالبًا ما صيغت بأسماء الرجال.
ثم نصل إلى صورة أخرى للولاية، ربما تكون أعمق من مفهوم السلطة السياسية المباشرة: الولاية الحضارية.
هنا تقف أم البنين فاطمة بنت محمد بن عبد الله الفهري القرشي، المعروفة بفاطمة الفهرية. وترتبط في المصادر المغربية بتشييد جامع القرويين في فاس في القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي، وهي حقيقة تحتفي بها الذاكرة العلمية والمؤسسات الرسمية المغربية. لم تكن فاطمة الفهرية حاكمة على جيش، ولم تجلس على عرش، لكنها فعلت شيئًا آخر لا يقل دلالة: أسهمت في بناء مؤسسة علمية ودينية وعمرانية أصبحت جزءًا من ذاكرة المغرب الحضارية. وهنا يتسع معنى الولاية: فقد تكون ولاية علم، أو عمران، أو وقف، أو تعليم، أو تأسيس مؤسسة، أو صناعة أثر يستمر بعد رحيل صاحبه.
من فاطمة الفهرية القرشية إلى فاطمة الزهراء المنصوري
من فاطمة الفهرية القرشية إلى فاطمة الزهراء المنصوري، لا نعبر من اسم امرأة إلى اسم امرأة، ولا من قرن إلى قرن فحسب؛ إنما نعبر في الحقيقة عبر تحول طويل في أدوات الفاعلية النسائية المغربية: من المؤسسة العلمية والعمرانية والوقف، إلى المؤسسة السياسية والدستورية والإدارية الحديثة.
فاطمة الفهرية لم تحتج إلى عرش لكي تصنع أثرًا في التاريخ؛ جعلت من المبادرة والمال والعمران والعلم مشروعًا حضاريًا، وارتبط اسمها بتأسيس القرويين. وبعد أكثر من ألف عام، ظهرت فاطمة الزهراء المنصوري داخل مؤسسات الدولة الحديثة، فكانت عمدة لمراكش ووزيرة، ثم أصبحت في سبتمبر 2026 أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة المغربية بحسب التقارير المنشورة في ذلك التاريخ.
وبين المرأتين لا توجد مطابقة بين عصرين ولا تشابه مصطنع بين وظيفتين؛ ففاطمة الفهرية تنتمي إلى نظام تاريخي مختلف جذريًا، والمنصوري تنتمي إلى دولة حديثة بمؤسساتها وقوانينها ودستورها. لكن الرابط الذي يستحق التأمل أعمق من تشابه المنصب: المرأة المغربية لم تكن غائبة عن صناعة التاريخ، وإنما تغيرت الأدوات التي تمارس بها فاعليتها كلما تغيرت بنية المجتمع والدولة.
مرةً تصنع المرأة أثرها من خلال العلم والعمران والوقف، ومرةً من خلال السياسة والإدارة والمؤسسات، ومرةً من خلال المقاومة أو التدبير أو التعليم. فالولاية ليست دائمًا عرشًا، وليست دائمًا منصبًا رسميًا؛ إنها، في معناها الأوسع، قدرة الإنسان على حمل مسؤولية تتجاوز ذاته وتحويلها إلى أثر عام.
وهنا تكمن الدلالة الكبرى لهذه السلسلة: من فاطمة الفهرية إلى فاطمة الزهراء المنصوري، تغيرت أشكال السلطة، لكن لم تتغير حقيقة أن المرأة كانت فاعلًا في صناعة المجتمع والدولة والحضارة.
وهذا لا يعني أن التاريخ يشرّع وحده، ولا أن وجود امرأة في موقع سلطة يحسم الخلاف الفقهي. التاريخ ليس نصًا، كما أن التجربة ليست فتوى. لكنه يمنعنا من الادعاء بأن الواقع الإسلامي عرف نموذجًا واحدًا ثابتًا لا مكان فيه للمرأة خارج المجال الخاص.
بل إن التاريخ نفسه يفرض علينا سؤالًا أكثر جرأة: إذا كانت المرأة قد بنت مؤسسة علمية بقي أثرها قرونًا، وحكمت مدينة، وشاركت في صناعة دولة، وحضرت في قلب الصراع السياسي، ثم وصلت في الدولة الحديثة إلى أعلى مستويات المسؤولية التنفيذية، فهل يصح أن نختزل كل هذا التاريخ في سؤال واحد: «هل يجوز للمرأة أن تتولى؟»
ربما يكون السؤال نفسه بحاجة إلى إعادة صياغة.
فبدل أن يكون جنس الإنسان هو نقطة البداية في الحكم على أهليته، لماذا لا نبدأ بالسؤال عن طبيعة الولاية وشروطها؟ ما المسؤولية التي يحملها المنصب؟ وما حدود سلطته؟ وما الكفاءة المطلوبة له؟ وما مقدار العلم والخبرة والأمانة والقدرة على التدبير التي يحتاجها صاحبه؟ وهل تختلف هذه الشروط باختلاف نوع الولاية ونظام الدولة؟
هنا يصبح النقاش أكثر عدلًا وأكثر علمية؛ لأننا لا نمحو النصوص التي استند إليها الفقهاء، ولا نقدس اجتهادًا بشريًا وكأنه النص ذاته، ولا نحول قصة قرآنية إلى حكم لم تقله، ولا نحول تجربة تاريخية إلى فتوى، ولا نجعل العرف الاجتماعي في منزلة الوحي.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في هذا النقاش هو أن نضع الدين والفقه والتاريخ والعرف والدولة الحديثة في صندوق واحد، ثم نطلب من الجميع أن يعطينا جوابًا واحدًا. فالنص نص، والفقه فقه، والتاريخ تاريخ، والعرف عرف، والدولة الحديثة دولة حديثة. وكلما فصلنا هذه المستويات عن بعضها، أصبح بإمكاننا أن نقرأها دون أن يبتلع أحدها الآخر.
ولذلك، فإن الدفاع عن قراءة أكثر اتساعًا لا يعني إلغاء الحديث، ولا تجاهل رأي الجمهور، ولا الادعاء بأن المسألة محسومة فقهيًا لصالح اتجاه واحد. كما أن احترام الحديث لا يقتضي بالضرورة إغلاق باب البحث في دلالته ومجاله وتطبيقاته، ولا يمنح العرف التاريخي حق التحول تلقائيًا إلى حكم إلهي.
المسألة في جوهرها ليست معركة بين المرأة والدين، ولا بين الحداثة والتراث؛ إنها معركة منهجية ضد الخلط: الخلط بين النص وتفسيره، وبين الحكم الفقهي وسياقه، وبين العرف والدين، وبين التاريخ والتشريع، وبين الإمامة الكلاسيكية ومؤسسات الدولة الحديثة.
وإذا كان الإسلام قد جعل الإنسان مسؤولا عن رعيته، وإذا كان القرآن قد عرض لنا امرأة تملك قومًا ولها عرش، وإذا كان التاريخ المغربي قد حفظ لنا زينب النفزاوية والسيدة الحرة وفاطمة الفهرية وغيرهن، وإذا كان المغرب الحديث قد فتح للمرأة أبوابًا متقدمة في المؤسسات السياسية والإدارية، فإن أقل ما يقتضيه العقل هو ألا نحسم المسألة بعبارة واحدة قبل أن نفكك مفهوم “الولاية” نفسه.
فالحقيقة لا تحتاج إلى مبالغة كي تكون قوية، ولا إلى خصومة كي تكون واضحة. إنها تحتاج فقط إلى أن نضع كل شيء في موضعه.
والتفكير خارج الصندوق هنا لا يعني كسر الصندوق، بل معرفة ما الذي وضعناه داخله أصلًا.
فربما لم يكن السؤال الصحيح يومًا: «هل المرأة تصلح للولاية؟»
وربما كان السؤال الأجدر: “ما الذي يجعل الإنسان أهلا للولاية أصلًا؟”.
عندما يصبح هذا هو السؤال، تنتقل المناقشة من جنس صاحب المسؤولية إلى شروط المسؤولية، ومن الصورة النمطية إلى الأهلية، ومن تكرار الموروث إلى فحص الدليل. وعندها فقط يمكن أن نقرأ النص بعمق، والفقه بإنصاف، والتاريخ بوعي، والحاضر بعين لا تخاف من السؤال.
لأن الحضارة لا تسأل أولا: من أنت؟
بل تسأل: ماذا تستطيع أن تبني، وماذا تستطيع أن تحمل من مسؤولية، وماذا ستترك بعدك؟


Comments
0