من مكاتب الاتصال إلى السفارات: ماذا تعني الخطوة المغربية الإسرائيلية؟ | m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |أخبار 24 ساعة

من مكاتب الاتصال إلى السفارات: ماذا تعني الخطوة المغربية الإسرائيلية؟

Screenshot_20260917_100028_com_twitter_android_MainActivity

لم تكن الخطوة التي أُعلن عنها في نيويورك يوم 16 شتنبر 2026 مجرد تعديل في البروتوكول الدبلوماسي، بل محطة جديدة في مسار العلاقات المغربية الإسرائيلية.
فقد اتفق المغرب وإسرائيل، خلال اجتماع جمع وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة ونظيره الإسرائيلي جدعون ساعر، بحضور السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتز، على رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي بين البلدين إلى مستوى السفارات وتبادل السفراء، إلى جانب العمل على استئناف الرحلات الجوية المباشرة قبل نهاية السنة، واستكمال اتفاقيات لحماية الاستثمارات ومنع الازدواج الضريبي. كما اتفق الطرفان على توسيع التعاون في مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا والسياحة والمياه والزراعة والطاقة والاتصالات والأمن.

وبذلك تنتقل العلاقة من مرحلة مكاتب الاتصال التي أعيد فتحها سنة 2020 إلى مستوى أكثر مؤسساتية، في خطوة تأتي بعد نحو ست سنوات من استئناف العلاقات الرسمية.


لكن السؤال الأهم ليس فقط: ماذا حدث في نيويورك؟
بل: لماذا الآن؟ وماذا تريد الرباط من هذه المرحلة؟ وإلى أي حد يمكن أن تخدم هذه العلاقة المصالح المغربية من دون أن تتحول إلى قطيعة مع الثوابت التي تعلنها المملكة بشأن القضية الفلسطينية؟

للإجابة، لا بد من العودة إلى التاريخ.

اليهود المغاربة… أكثر من مجرد فصل في الذاكرة

وجود اليهود في المغرب ليس ظاهرة مرتبطة بالصراع العربي الإسرائيلي، ولا نتيجة للعلاقات الدبلوماسية الحديثة.
فقد عاشت جماعات يهودية في المغرب منذ قرون طويلة، وتشير مصادر المكتبة الوطنية الإسرائيلية إلى وجود جماعي يهودي في البلاد منذ فترات قديمة، مع تطور مجتمع يهودي كبير ومتعدد المناطق والثقافات، أصبح جزءاً من التاريخ الاجتماعي والاقتصادي والثقافي للمملكة. وفي سنة 1948 كان المغرب يضم ما بين 250 و300 ألف يهودي، قبل أن تبدأ موجات الهجرة الكبرى في العقود التالية.


كان اليهود حاضرين في التجارة والحرف والصناعة التقليدية والثقافة، كما ارتبط عدد منهم بالإدارة والاقتصاد والعلاقات التجارية الخارجية.
لذلك فإن الحديث عن اليهود المغاربة باعتبارهم مجرد “أقلية متسامحاً معها” لا يعكس كل تعقيدات التاريخ. فقد كانوا جزءاً من البنية الاجتماعية والاقتصادية للمغرب، كما تركوا بصمات واضحة في الموسيقى والحرف والفنون والتجارة والحياة الحضرية.


وهذا الإرث هو أحد المفاتيح لفهم طبيعة العلاقة الخاصة التي ما زالت قائمة بين المغرب وأبنائه اليهود المنتشرين اليوم في إسرائيل وفرنسا وكندا والولايات المتحدة وغيرها.

محمد الخامس… موقف تاريخي يحتاج إلى قراءة دقيقة


تكتسب العلاقة بين الدولة المغربية واليهود بعداً خاصاً عند الحديث عن سنوات الحرب العالمية الثانية.
فخلال فترة حكم فيشي، فُرضت قوانين تمييزية ضد اليهود في المغرب. وتشير موسوعة الهولوكوست التابعة للمتحف الأمريكي لذكرى الهولوكوست إلى أن السلطات المغربية حاولت في عدد من الحالات إبطاء تطبيق إجراءات “الأرينة”، وأن السلطان محمد الخامس اتخذ مواقف داعمة تجاه رعاياه اليهود وتدخل في مناسبات لإسناد المجتمع اليهودي.

فالتاريخ لا يحتاج إلى أساطير حتى يكون مصدر اعتزاز، كما لا يحتاج إلى إنكار الجوانب الصعبة حتى نحافظ على صورته الإيجابية.

القيمة الحقيقية للتجربة المغربية تكمن في أن اليهود المغاربة ظلوا، في مراحل تاريخية مختلفة، جزءاً من المجتمع المغربي، وأن علاقتهم بالمغرب وبالمؤسسة الملكية لم تختفِ حتى بعد الهجرة الجماعية.

الهجرة لم تمحُ الانتماء

بعد قيام إسرائيل سنة 1948، بدأت موجات واسعة من هجرة اليهود المغاربة. وتشير المكتبة الوطنية الإسرائيلية إلى أن نحو 270 ألفاً من يهود المغرب هاجروا إلى إسرائيل بين 1948 و2016، وهو أكبر عدد من المهاجرين إلى إسرائيل من بين الجاليات اليهودية في البلدان الإسلامية.

لكن الهجرة لم تعنِ بالضرورة نهاية العلاقة مع المغرب.
فالمدن المغربية، والملاحات، والمقامات، والمقابر، والأسماء العائلية، والموسيقى، والمطبخ، والذاكرة العائلية ظلت حاضرة في وجدان أجيال من اليهود من أصل مغربي.
وهنا تظهر إحدى الخصوصيات المهمة في العلاقة الحالية: فجزء كبير من العلاقات المغربية الإسرائيلية يمر أيضاً عبر ذاكرة مغربية مشتركة.


ولهذا لم يكن غريباً أن يشير البيان الصادر عقب اجتماع نيويورك إلى الروابط التاريخية بين الملكية المغربية والجاليات اليهودية المغربية في إسرائيل والمغرب والولايات المتحدة باعتبارها إحدى ركائز العلاقة.

من التاريخ إلى السياسة: لماذا السفارات الآن؟

غير أن التاريخ وحده لا يفسر قرار رفع التمثيل الدبلوماسي.
الدبلوماسية المغربية، مثل أي سياسة خارجية، تتحرك داخل شبكة من المصالح والاعتبارات المتداخلة.


أول هذه الاعتبارات هو الموقع الاستراتيجي للمغرب في علاقته بالولايات المتحدة وإسرائيل.
فالاتفاق الجديد أعاد أيضاً التأكيد الأمريكي والإسرائيلي على الاعتراف بالسيادة المغربية على الصحراء، وعلى مقترح الحكم الذاتي باعتباره أساساً للحل وفق الصياغة الواردة في البيان الثلاثي.
وهذا يجعل العلاقة مع إسرائيل جزءاً من سياق أوسع للسياسة المغربية تجاه ملف الصحراء.
لكن من المهم ألا يُختزل القرار كله في هذا الملف وحده.
هناك الاقتصاد أيضاً.
الاتفاق على حماية الاستثمارات ومنع الازدواج الضريبي، واستعادة الرحلات الجوية المباشرة، وتوسيع التعاون في التكنولوجيا والمياه والزراعة والطاقة والسياحة والاتصالات، كلها مؤشرات على أن الرباط وتل أبيب تريدان نقل العلاقة من مستوى سياسي رمزي إلى مستوى عملي ومؤسساتي أكثر اتساعاً.

الماء والتكنولوجيا… حين تتحول العلاقات إلى مصالح ملموسة

بالنسبة إلى المغرب، لا تبدو مجالات التعاون الاقتصادي والتكنولوجي هامشية.
الماء، الزراعة، الأمن الغذائي، التكنولوجيا والطاقة قطاعات مرتبطة مباشرة بالتحديات التي تواجه الاقتصاد المغربي.
ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي طرحه ليس ما إذا كان التعاون يحمل قيمة نظرية، بل ما الذي سيعود فعلياً على المغرب والمغاربة؟
هل ستصل التكنولوجيا والاستثمارات إلى القطاعات التي تحتاجها البلاد فعلاً؟
هل ستخلق فرصاً للشباب؟
هل ستساهم في تطوير الفلاحة والاقتصاد المائي؟
هل ستستفيد منها المقاولات المغربية الصغيرة والمتوسطة؟
وهل ستكون الاتفاقيات الجديدة متوازنة في مصالحها، أم ستبقى العلاقة محصورة في قطاعات محددة؟
هذه هي الأسئلة التي ستحدد قيمة الشراكة عملياً أكثر من عدد الاتفاقيات التي يتم توقيعها.

وماذا عن فلسطين؟

هنا لا يمكن تجاهل السؤال الأكثر حساسية في الشارع المغربي.

هل يمكن للمغرب أن يوسع علاقته مع إسرائيل، وفي الوقت نفسه يحافظ على موقفه من القضية الفلسطينية؟

الموقف المغربي المعلن يقوم على دعم حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية، وهو موقف يتقاطع مع الإطار الذي تؤكده الأمم المتحدة في قراراتها ومواقفها بشأن التسوية القائمة على دولتين.

كما أن المغرب، بحكم رئاسة الملك محمد السادس للجنة القدس، يربط بين العمل الدبلوماسي والعمل الميداني في القدس، بما في ذلك المشاريع التي تنفذها وكالة بيت مال القدس الشريف. وفي رسالة مغربية أمام الأمم المتحدة، جرى التأكيد على حماية الوضع القانوني والتاريخي للمدينة ودعم إقامة دولة فلسطينية على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

لكن وجود علاقات دبلوماسية مع إسرائيل لا يعني تلقائياً أن كل الخلافات السياسية قد اختفت.
بل على العكس، فإن العلاقات تمنح الدبلوماسية المغربية قناة مباشرة يمكن استخدامها في الملفات التي تختلف فيها الرباط مع تل أبيب.
وهنا يصبح السؤال السياسي الأكثر أهمية:
هل تستطيع الرباط تحويل هذه العلاقة إلى أداة للتأثير والحوار، لا مجرد قناة للتعاون الثنائي؟
هذا سؤال مفتوح، وستجيب عنه الممارسة وليس البيانات.

بين الواقعية السياسية والثوابت الوطنية

في عالم العلاقات الدولية، لا تتحرك الدول عادة بمنطق الصداقة والعداء وحدهما.
الدول تبحث عن مصالحها، وتبني تحالفاتها، وتوازن بين المخاطر والفرص، وتستخدم أدوات متعددة في الوقت نفسه.
ومن هذا المنظور، فإن إقامة سفارات كاملة لا ينبغي أن تُقرأ وحدها باعتبارها تخلياً عن موقف سياسي آخر، كما لا ينبغي اعتبارها تلقائياً ضمانة لتحقيق جميع المصالح المغربية.
النتيجة تعتمد على كيفية إدارة العلاقة.

فإذا تحولت السفارات إلى أدوات لتسهيل الاستثمار والتكنولوجيا والسياحة والتبادل الثقافي، وفي الوقت نفسه حافظ المغرب على مواقفه المعلنة بشأن القدس والقضية الفلسطينية، فسيكون المسار قائماً على تعدد القنوات.

السفارة ليست نهاية النقاش… بل بدايته

الخطوة التي أعلنت في نيويورك لا ينبغي أن تكون مناسبة للمزايدة، كما لا ينبغي أن تكون مناسبة لإغلاق النقاش.
المطلوب هو قراءة ما سيأتي بعدها.
ما هي الاتفاقيات التي ستوقع فعلاً؟
ما حجم الاستثمارات التي ستصل؟
ما عدد الرحلات الجوية التي ستعود؟
ما القطاعات المغربية التي ستستفيد؟
ما الذي ستفعله الدبلوماسية المغربية بالقناة المباشرة مع إسرائيل في ما يتعلق بالقدس وفلسطين؟
وكيف ستضمن المملكة أن التعاون الأمني والتكنولوجي لا يأتي على حساب أولويات التنمية والاقتصاد الوطني؟
هذه الأسئلة أكثر أهمية من الشعارات المؤيدة أو الرافضة.

المغرب لا يختار بين التاريخ والمستقبل

الحديث عن رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي مع إسرائيل لا يمكن أن ينفصل عن حقيقة أعمق: المغرب بلد تشكل عبر قرون من التعدد الديني والثقافي والحضاري.
يهود المغرب جزء من هذا التاريخ، والقضية الفلسطينية جزء من السياسة الخارجية المغربية، والصحراء جزء أساسي من أولويات الدولة، والمصالح الاقتصادية والأمنية جزء من أي سياسة خارجية حديثة.
هذه الملفات ليست بالضرورة متناقضة في كل لحظة، لكنها تحتاج إلى إدارة دقيقة.
ولهذا فإن قيمة الخطوة الجديدة لن تُقاس فقط بفتح السفارات وتبادل السفراء، بل بما ستنتجه على الأرض.
الدبلوماسية الناجحة ليست في عدد الأبواب التي تفتحها فقط، وإنما في قدرتها على تحويل تلك الأبواب إلى مصالح ملموسة، وحماية الثوابت، وفتح مساحات للحوار حين تكون القطيعة أقل فاعلية.


من مكاتب الاتصال إلى السفارات، إذن، تدخل العلاقات المغربية الإسرائيلية مرحلة جديدة.


لكن المرحلة الجديدة لا ينبغي أن تكون نهاية الأسئلة، بل بداية اختبار حقيقي: ماذا سيكسب المغرب؟ ماذا سيكسب المغاربة؟ وماذا تستطيع الرباط أن تفعل بهذه العلاقة في خدمة مصالحها الوطنية، وفي الدفاع عن مواقفها تجاه القضايا التي تعتبرها ثابتة؟
الجواب لن تكتبه البيانات وحدها.
ستكتبه النتائج.

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث