هجرة الأطباء المغاربة وتحديات إصلاح الصحة.. الاحتفاظ بالكفاءات ضمن أولويات الحكومة الجديدة - m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |أخبار 24 ساعة

هجرة الأطباء المغاربة وتحديات إصلاح الصحة.. الاحتفاظ بالكفاءات ضمن أولويات الحكومة الجديدة

4bf21049-2b20-48f4-a7c1-652203267e77

تطرح هجرة الأطباء المغاربة نحو الخارج تحدياً متزايد الأهمية أمام المنظومة الصحية الوطنية، في ظل الحاجة إلى تعزيز الموارد البشرية الطبية، وتحسين جودة الخدمات العلاجية، وتقليص الفوارق في الولوج إلى الرعاية الصحية بين مختلف جهات المملكة. وبينما تستثمر الدولة في تكوين أطباء جدد وتطوير البنيات الصحية، يظل الاحتفاظ بالكفاءات المؤهلة أحد الشروط الأساسية لضمان استدامة الإصلاحات وتحقيق أهدافها.

وتشير معطيات متداولة بشأن دراسة أنجزتها جمعية أساتذة الطب بالقطاع الحر إلى أن عدد الأطباء المغاربة الذين يغادرون البلاد سنوياً يتراوح بين 600 و700 طبيب. وإذا استمر هذا المعدل، فإن ذلك قد يزيد من الضغط على الموارد البشرية المتاحة، خصوصاً في التخصصات والمناطق التي تعرف خصاصاً في الأطر الطبية.

وتكتسي هذه المعطيات أهمية خاصة عند مقارنتها بمستوى التأطير الطبي في المغرب، الذي يُقدَّر في بعض البيانات بنحو ثمانية أطباء لكل عشرة آلاف نسمة. غير أن المقارنة مع المعدلات المرجعية الدولية تقتضي اعتماد مصادر موثوقة وسنوات إحصائية متجانسة، مع التمييز بين عدد الأطباء ومجموع العاملين في القطاع الصحي، تفادياً لاستخلاص نتائج غير دقيقة.

ولا يقتصر أثر الخصاص في الموارد البشرية الطبية على المؤشرات الإحصائية، بل يمتد إلى ظروف استفادة المواطنين من الخدمات الصحية، من خلال فترات الانتظار، وصعوبة الحصول على بعض التخصصات، وتفاوت العرض الطبي بين المدن الكبرى والمناطق القروية والنائية. كما أن مغادرة الأطباء ذوي الخبرة والتخصصات الدقيقة قد تزيد من صعوبة ضمان استمرارية الخدمات، بالنظر إلى طول مدة التكوين ومتطلبات التأهيل المهني.

وتتداخل عوامل متعددة في تفسير هجرة الأطباء، من بينها مستوى الأجور والتحفيزات، وظروف العمل، ومدى توفر التجهيزات والوسائل الطبية، وفرص التخصص والتكوين المستمر والبحث العلمي، فضلاً عن آفاق التطور المهني والاستقرار الاجتماعي. وفي المقابل، توفر بعض الدول الأوروبية وكندا فرصاً مهنية تستقطب عدداً من الكفاءات الطبية المغربية، ما يجعل معالجة الظاهرة مرتبطة بمدى قدرة المنظومة الوطنية على توفير شروط ممارسة مهنية مستقرة ومحفزة.

وفي هذا السياق، يكتسي البرنامج الحكومي للفترة 2026-2031 أهمية خاصة، بالنظر إلى التوجهات المعلنة بشأن الانتقال من تعميم التغطية الصحية إلى ضمان الولوج الفعلي والعادل والمستمر إلى خدمات صحية ذات جودة. وتشمل هذه التوجهات تقليص الفوارق المجالية في العرض الصحي، وتحسين تنظيم مسار العلاج واستقبال المرضى، وتطوير خدمات المستعجلات، وتعزيز المساعدة الطبية المستعجلة، وإرساء منظومة معلوماتية صحية موحدة، إلى جانب دعم الموارد البشرية العاملة في القطاع.

غير أن بلوغ هذه الأهداف يظل مرتبطاً بمدى القدرة على معالجة النقص في الأطر الطبية والحد من العوامل التي تدفع بعضها إلى مغادرة البلاد. فتعزيز البنيات التحتية الصحية وتوسيع التغطية الصحية، رغم أهميتهما، لا يكفيان وحدهما لضمان تحسين الخدمات ما لم يواكبهما توفير العدد الكافي من الأطباء، وتحسين توزيعهم الجغرافي، وضمان استقرارهم المهني.

ومن هذا المنطلق، تتجه الأنظار إلى وزير الصحة والحماية الاجتماعية الجديد، يونس بجيجو، الذي عُيّن في هذا المنصب يوم 16 أكتوبر 2026، بعد أن شغل منصب المدير المنتدب لمؤسسة محمد السادس للعلوم والصحة منذ يوليوز 2023، وراكم تجربة أكاديمية وإدارية في المجال الطبي والتكوين الصحي.

وتضع المرحلة المقبلة الوزارة أمام مجموعة من الملفات المترابطة، من بينها تحديد الحاجيات الفعلية من الأطباء حسب التخصصات والجهات، وتطوير آليات التحفيز على العمل في المناطق التي تعاني من الخصاص، وتحسين ظروف الممارسة داخل المؤسسات الصحية، إلى جانب تعزيز الحوار مع الهيئات المهنية والنقابية والجامعات والمؤسسات المعنية بالتكوين الطبي.

كما تبرز الحاجة إلى اعتماد أهداف واضحة وقابلة للقياس في مجال الموارد البشرية الصحية، تشمل التكوين والتوظيف والتوزيع المجالي والاحتفاظ بالكفاءات. ومن شأن تحديد آجال زمنية ومؤشرات للتقييم أن يتيح تتبع مدى تقدم الإصلاحات، والوقوف على أثرها الفعلي في تحسين الخدمات وتقليص الخصاص.

وفي هذا الإطار، لا ينبغي أن تقتصر الاستجابة لهجرة الأطباء على زيادة عدد خريجي كليات الطب، بل يتعين أن تشمل أيضاً مراجعة ظروف العمل والمسارات المهنية، وتوفير التجهيزات الضرورية، وتوسيع فرص التكوين والتخصص، وتحسين آليات التوظيف والتدبير، مع إيلاء اهتمام خاص للأطباء العاملين في المناطق التي تعرف صعوبات في استقطاب الكفاءات والاحتفاظ بها.

وتبقى معالجة هذه الإشكالية مسؤولية تتجاوز قطاعاً حكومياً واحداً، إذ تتطلب تنسيقاً بين القطاعات المعنية بالصحة والمالية والتعليم العالي والتشغيل، إلى جانب إشراك المؤسسات الصحية والهيئات المهنية في بلورة حلول عملية تستجيب لحاجيات الأطباء وانتظارات المواطنين.

وفي المحصلة، يشكل الاحتفاظ بالكفاءات الطبية أحد المؤشرات المهمة لمدى قدرة إصلاح المنظومة الصحية على تحقيق أهدافه. فنجاح السياسات الصحية لا يرتبط فقط ببناء المستشفيات وتوفير التجهيزات، بل يتوقف أيضاً على وجود موارد بشرية مؤهلة وكافية، قادرة على تقديم خدمات مستمرة وذات جودة في مختلف مناطق المملكة.

ويبقى التحدي المطروح خلال الولاية الحكومية الجديدة هو تحقيق التوازن بين تكوين أطباء جدد، وتحسين توزيعهم داخل التراب الوطني، وتوفير الظروف التي تشجعهم على مواصلة مسارهم المهني بالمغرب. وهي معادلة ترتبط نتائجها بمدى ترجمة التوجهات المعلنة إلى إجراءات قابلة للتنفيذ والتقييم، بما يعزز استقرار الكفاءات الطبية ويحسن فرص المواطنين في الاستفادة من العلاج.

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث