لم تعد سرقة الهاتف أو الحقيبة “حادثاً عابراً” في عاصمة الجهة الشرقية. صارت روتيناً يومياً. ساكنة وجدة تعيش اليوم حالة قلق دائم: الخروج من البيت مغامرة، والسير في الشارع حسابات، والعودة للمنزل حمد وشكر.ظاهرة السرقة تحولت من حالات فردية إلى “مناخ عام” يخنق المدينة ويهدد السلم الاجتماعي. مشاهد تتكرر… ولا أحد يحاسباسأل أي وجدي عن آخر سرقة، سيحكي لك قصة. شاب يُسرق هاتفه قرب ساحة 16 غشت تحت التهديد. امرأة تُنتزع حقيبتها أمام باب السوق. دراجة نارية تختفي من أمام المنزل في 10 ثوانٍ. محلات تُكسر أقفالها ليلاً وتُفرغ من بضائعها.والأخطر من هذا هو “جرأة اللصوص”. لم يعودوا يهربون. صاروا يختارون الوقت والمكان. أزقة شعبية، محيط المدارس عند خروج التلاميذ، وحتى وسط المدينة نهاراً. السارق يعرف أن العقوبة ضعيفة، وأن فرصة القبض عليه قليلة.اما النتيجة: المواطن صار “حارساً شخصياً” لنفسه. الأب يوصل ابنته للمدرسة خوفاً، والتاجر يركب كاميرات ويضع قضبان حديد، والمسن لا يخرج بعد المغرب.ان جذور المشكلة: فقر، فراغ، وغياب الردعالسرقة ليست “طباعاً”، هي عرض لمرض أعمق:اضحت وجدة تعاني ركوداً اقتصادياً خانقاً. خريجون بلا شغل، وشباب بلا أفق. عندما تُغلق كل الأبواب في وجه الشاب، يجد بعضهم في السرقة “مهنة بديلة”. هذا لا يبرر الجريمة، لكنه يفسرها.المواطن لا يرى الدورية الراجلة. لا يوجد انتشار أمني كثيف في النقاط السوداء: محيط المحطة الطرقية، سوق الفلاح، ساحة الملعب الشرفي ليلاً. الكاميرات قليلة، والاستجابة بطيئة. اللص يحسبها جيداً: “المخاطرة قليلة والربح مضمون”.حتى عندما يُقبض على السارق، يخرج سريعاً. السرقة “بدون عنف” عقوبتها خفيفة، ويستفيد الكثيرون من السراح المؤقت. فيعود للشارع في أسبوع ليمارس نفس “المهنة”. الرسالة التي تصل للشارع: اسرق وستنجو.وثمن هذه الظاهرة أكبر من قيمة هاتف مسروق. الثمن هو:اذ تدمر الثقة بين الجار وجاره، بين المواطن والدولة. عندما لا تشعر بالأمان في شارعك، تفقد انتماءك للمكان.و أي مستثمر سيفكر ألف مرة قبل فتح مشروع في المدينةاما أطفال اليوم يكبرون وهم يرون السرقة مشهداً عادياً. إما أن يصبحوا ضحايا، أو يعتادوا على فكرة “القوي يأكل الضعيف”.ان الحلول لا تحتمل التأجيلالشعارات لا توقف السارق. المطلوب خطة استعجالية على 3 مستويات:تكثيف الدوريات الراجلة والمحمولة، خاصة ليلاً وفي النقاط السوداء. تركيب كاميرات مراقبة ذكية في وسط المدينة والأسواق. تفعيل دوريات سريعة الاستجابة. الأمن الوقائي أهم من الأمن بعد وقوع الجريمة.تطبيق القانون بصرامة على المتورطين، خاصة العائدين للجريمة. لا للسراح المؤقت في قضايا السرقة المقرونة بالعنف أو التهديد بالسلاح الأبيض. السجن يجب أن يكون فعلاً رادعاً، لا “استراحة” للص.لا يمكن محاربة السرقة بالعصا فقط. لا بد من مشاريع تشغيل للشباب، مراكز تكوين مهني حقيقية، ودعم المبادرات الصغيرة. الشاب الذي يجد 2000 درهم حلال شهرياً لن يخاطر بالسجن من أجل هاتف.ختاما ان وجدة تستحق أن تنام آمنةيا وجدة… أنتِ مدينة الكرم والمقاومة، لا مدينة الخوف والسرقة. ساكنتك لا تطلب المستحيل، تطلب حقاً بسيطاً نص عليه الدستور: “الحق في الأمن”.إلى متى سيبقى المواطن الوجدي يدفع ثمن إهمالنا مرتين: مرة عندما يُسرق، ومرة عندما يفقد ثقته في دولته؟المسؤولية اليوم مشتركة: أمن يتحرك، قضاء يردع، منتخبون يخططون، ومجتمع يربي. قبل أن تتحول وجدة إلى مدينة “مقفلة” يحرسها الخوف بدل القانون.
وجدة تحت وطأة اللصوص: سرقات يوميةإلى متى؟


Comments
0