في خضم الجدل الذي أثارته قضية مقتل الطالب بدر، وما رافقها من مرافعات داخل قاعة المحكمة وخارجها، خرج دفاع المتهم الرئيسي المعروف إعلاميا بـولد الفشوش عبر وسائط التواصل الاجتماعي بتصريح يدافع فيه عن براءته، مؤسسا دفوعه على ركيزتين اعتبرهما جوهر البراءة وأساسها، أولاهما أن المتهم وفق استقراء الشريط المصور لم يظهر إلا في بداية الفيديو ثم اختفى ولا أثر له بعد ذلك، وثانيهما أن المتهم يتناول عقاقير طبية بناء على وصفة علاجية، وأن تأثير هذه الأدوية يجعله في حالة نسيان، بما قد يؤثر على وعيه وإرادته عند الإدلاء بتصريحاته خلال مراحل البحث والتحقيق والمحاكمة.
إن تناول هذين الدفعين يقتضي بداية وضعهما في سياقهما الإجرائي والقانوني، فالدفع الأول يرتكز على منازعة في استقراء عناصر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية للشريط موضوع النازلة، وادعاء أنهم جانبوا الصواب في معاينتهم لمحتواه، سواء خلال البحث التمهيدي أو أثناء مناقشته أمام المحكمة، غير أن محضر الاستقراء المنجز من طرف ضابط الشرطة القضائية يعد من حيث طبيعته القانونية، محضرا لمعاينة مادية مباشرة لما شاهده وعاينه الضابط بصفته، وهو ما يضفي عليه قوة ثبوتية خاصة، والتي لا يمكن النيل منها إلا عن طريق الطعن بالزور وفق المساطر المقررة قانونا، فالمحضر هنا لا ينقل رأيا أو تحليلا مجردا، بل يوثق واقعة مادية شاهدها محرره، ويخضع في تقديره النهائي لسلطة المحكمة في تكوين قناعتها.
ثم إن القول بأن المتهم لم يظهر إلا في بداية الشريط ثم اختفى، هو دفع يتصل بتقدير الدليل لا بسلامته الشكلية، والمحكمة باعتبارها سيدة الأدلة، لها أن تستخلص من مجمل العناصر المعروضة أمامها من تسجيلات وتصريحات وقرائن وشهادات ما تكون به عقيدتها. وكما قرر الفيلسوف مونتسكيو أن القاضي هو فم القانون الذي ينطق به، فإن وظيفة المحكمة ليست إعادة إنتاج القراءة الإعلامية للوقائع، بل غربلتها بمنهج عقلي منضبط، يوازن بين الدليل المباشر والقرائن المتضافرة. بل إن الفقيه الإيطالي تشيزاري بيكاريا كان يؤكد أن العدالة الجنائية لا تقوم على الانطباعات، بل على ترابط الأدلة وتساندها في بناء يقيني لا يعتريه الشك المعقول.
وأما الدفع الثاني المرتبط بتناول المتهم لعقار طبي يفترض أنه يجعله في حالة نسيان، فهو دفع أخطر أثرا وأبعد مدى، لأنه يمس أهلية الإدلاء بالتصريحات، ويهدد نظريا سلامة ما تم تدوينه أو تلقيه من أقوال خلال مرحلة البحث التمهيدي، وكذا خلال مرحلتي التحقيق الابتدائي والتفصيلي، بل وحتى خلال المحاكمة في المرحلة الابتدائية، فإذا ثبت أن المتهم لم يكن في كامل وعيه وإرادته عند الإدلاء بتصريحاته، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام استبعادها لانتفاء شرط الرضا والاختيار.
غير أن هذا الدفع حتى يرقى إلى مستوى الجدية القانونية، لا يكفي أن يثار في الفضاء الإعلامي، بل يجب أن يؤسس على خبرة طبية دقيقة، وعلى إثبات أن العقار الموصوف له تأثير فعلي يعدم أو ينقص الإدراك على نحو جوهري، وأن هذا التأثير كان قائما زمن الإدلاء بالتصريحات، فالقانون لا يفترض انعدام الأهلية لمجرد تناول دواء، وإلا لأصبح كل علاج بابا لإهدار المسؤولية، وقد بين سيغموند فرويد أن السلوك الإنساني نتاج تفاعل معقد بين الوعي واللاوعي، لكن هذا التعقيد لا يعني انعدام المسؤولية، بل يستدعي فحصا علميا رصينا يميز بين الاضطراب العارض والاختلال الجوهري.
والأكثر من ذلك فإن إثارة هذا الدفع تطرح سؤالاً إجرائياً حاسماً ومؤداه هل تم التمسك به خلال جلسة الدفوع الشكلية والطلبات الأولية في المرحلة الابتدائية؟ إن مقتضيات قانون المسطرة الجنائية المغربي ولا سيما المادة 323 منه، توجب تضمين الدفوع الشكلية في محضر الجلسة تحت طائلة السقوط، لأن النظام الإجرائي يقوم على مبدأ التركيز والعلنية والمواجهة. فإذا لم يثر الدفاع مسألة انعدام الوعي أو الطعن في سلامة المحاضر خلال تلك المرحلة، ولم يُثبت تضمينها في المحضر، فإن إثارتها لاحقاً قد تُعتبر محاولة لتدارك ما فات، لا دفعاً جوهرياً مؤسساً في حينه.
وقد استقر الفقه الإجرائي على أن مرحلة الدفوع الشكلية ليست إجراء شكليا فارغا، بل هي ضمانة لتحقيق التوازن بين حق الدفاع واستقرار الإجراءات، ويذهب الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس إلى أن شرعية القرار القضائي تنبع من سلامة المسار التواصلي الذي يسبقه، أي من احترام قواعد الحوار الإجرائي داخل المؤسسة القضائية، وعليه فإن الخروج الإعلامي لتقديم دفوع لم تُثر في حينها داخل الجلسة، قد يخلط بين منطق التقاضي ومنطق التأثير في الرأي العام.
ومن زاوية تحليل السلوك الجماعي، فإن مثل هذه التصريحات الإعلامية لا يمكن فصلها عن دينامية الرأي العام في القضايا ذات الصدى الواسع، فقد بين إميل دوركايم أن الجريمة في بعدها الاجتماعي، ليست مجرد فعل فردي، بل حدث يهز الضمير الجمعي ويستدعي إعادة تأكيد القيم المشتركة، وحين يتعلق الأمر بضحية طالب شاب فإن الحساسية المجتمعية تتضاعف، ويصبح كل خطاب موجها ليس فقط إلى المحكمة، بل إلى جمهور واسع يتابع ويتفاعل ويحاكم أخلاقيا قبل أن يحاكم قضائيا.
وكما أشار بيير بورديو إلى أن الفضاء الإعلامي قد يتحول إلى ساحة رمزية لإعادة توزيع الشرعية، حيث يسعى كل فاعل إلى فرض تأويله للوقائع، وفي هذا السياق قد يفهم الخروج الإعلامي لدفاع المتهم على أنه محاولة لإعادة تشكيل الصورة الذهنية للمتهم، وتقديمه في هيئة شخص غائب عن مسرح الأحداث أو فاقد للذاكرة بسبب ظرف صحي، بما قد يخفف من حدة الصورة السلبية المرتبطة به في المخيال الجماعي.
غير أن العدالة في نهاية المطاف لا تبنى على الصور الذهنية بل على الأدلة القانونية، فإذا كانت محاضر الضابطة القضائية لم يطعن فيها بالزور، وإذا كانت تصريحات المتهم جاءت منسجمة مع معطيات الاستقراء، وإذا لم يثر أي دفع بمرض نفسي أو تأثير دوائي خلال المرحلة الابتدائية، فإن القول بوجود خلل جوهري يقتضي سندا أقوى من تصريح إعلامي، إن القضاء كما قال أرسطو هو العقل الخالي من الهوى، وهو وحده المخول بوزن الأدلة وترجيحها في ميزان القانون.
وما يمكن قوله هو أن تعليل الحكم الابتدائي بالإدانة قد جاء بحسب ما راج من معطيات مبنيا على أساس سليم من الواقع والقانون، مستندا إلى ترابط الأدلة وتساندها، لا إلى عنصر منفرد معزول، ومن ثم فإن أي منازعة في هذا التعليل ينبغي أن تبسط أمام جهة الاستئناف ضمن الأطر القانونية المحددة، لا في محكمة الرأي العام، فالرأي العام يطالب بعدالة للجميع، للضحية الذي أزهقت روحه وللمتهمين الذين يتمتعون بقرينة البراءة إلى أن تثبت إدانتهم بحكم نهائي، وهذه المعادلة الدقيقة بين حماية المجتمع وضمان حقوق الدفاع هي جوهر الدولة القانونية.
وتبقى الكلمة الفصل للقضاء، لأنه المؤسسة التي أناط بها المجتمع سلطة الفصل في النزاعات على أساس قواعد عامة مجردة، وأما الخطابات الموازية مهما بلغت بلاغتها أو تأثيرها، فإنها تظل تعبيرا عن موقف لا حكما فاصلا، فالعدالة لا تدار بالعاطفة ولا تختزل في انطباع، بل تبنى عبر مسار إجرائي دقيق، تتلاقى فيه الوقائع بالقانون، ويخضع فيه الجميع ضحية كان أو متهما لميزان واحد لا يميل إلا بقدر ما تمليه الأدلة الثابتة في ملف الدعوى.


Comments
0