في خطوة تحمل دلالات دبلوماسية واضحة ومضامين استراتيجية بعيدة المدى، وجّهت تنسيقية قبائل الجنوب مراسلة رسمية إلى فخامة رئيس الجمهورية الإسلامية الموريتانية عبر سفارة نواكشوط في الرباط، دعت فيها إلى فتح قنصلية لموريتانيا بمدينة العيون بالأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية. وهي مبادرة تعكس إدراكًا جماعيًا متناميًا لأهمية تعزيز الحضور القنصلي والدبلوماسي لموريتانيا في منطقة تشكّل اليوم محورًا للتحولات الإقليمية والتنموية في غرب إفريقيا والمغرب العربي.
وأشارت التنسيقية في رسالتها إلى أن إنشاء قنصلية بالعيون لا يقتصر على توفير خدمات إدارية للجالية الموريتانية المقيمة هناك، بل يمثّل خطوة سياسية مدروسة تنسجم مع التوجهات الموريتانية الداعمة للسلم والاستقرار، وتتناغم مع الشرعية الدولية ومع مضامين قرار مجلس الأمن رقم 2797، الذي يعكس توافقًا دوليًا متصاعدًا حول دعم مسار الحل السياسي المتفاوض بشأنه لقضية الصحراء المغربية.
ويرى مراقبون أن فتح قنصلية موريتانية في العيون سيشكل رافعة نوعية لتطوير العلاقات الاقتصادية والثقافية والإنسانية بين موريتانيا والأقاليم الجنوبية للمملكة، لاسيما في ظل الإقبال المتزايد للمواطنين الموريتانيين على الاستقرار والعمل في هذه المنطقة التي تشهد دينامية تنموية متسارعة. كما أن الخطوة، في بعدها السياسي، تبرز رؤية موريتانية متوازنة في سياستها الخارجية، تقوم على تعزيز الشراكات الإقليمية واحترام مبادئ الجوار، وترسيخ دور موريتانيا كفاعل محوري في دعم الاستقرار الإقليمي.
وتؤكد المعطيات الميدانية أن مثل هذه المبادرات تعزز جسور التواصل بين الشعوب، وتفتح آفاقًا أرحب للتعاون في مجالات الاقتصاد والثقافة والمجتمع، بما يثبت أن العمل الدبلوماسي المعاصر يتجاوز الأطر التقليدية ليصبح أداة لبناء الثقة وتعميق الروابط الإنسانية.
إن رسالة تنسيقية قبائل الجنوب إلى الرئيس الموريتاني تشكّل نموذجًا للمبادرات المجتمعية الواعية التي تستشرف مستقبلًا قائمًا على التكامل الإقليمي وخدمة المواطنين أينما وجدوا. كما تجسد إدراكًا بليغًا بأن خدمة الجالية ليست مجرد إجراء إداري، بل واجب استراتيجي وسياسي، يعكس مكانة الدولة وحرصها على حماية مصالح أبنائها في الخارج.
وبهذه الخطوة ترسم موريتانيا ملامح سياسة دبلوماسية أكثر حضورًا وفاعلية، تتقاطع فيها الواقعية السياسية مع متطلبات التنمية وتفرض فيها الجغرافيا والتاريخ منطق التعاون والتقارب. وهي رسالة واضحة بأن الدبلوماسية الحديثة تبدأ من الإنسان وتكتمل لتعزيز الروابط بين الدول الشعوب ،في إطار من الاحترام المتبادل والالتزام بمقتضيات الشرعية الدولية.


Comments
0