في خطوة جديدة تعمّق حالة العداء السياسي المتجذرة في المشهد الأمريكي، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يوم الجمعة، عزمه إلغاء معظم الأوامر التنفيذية التي وقّعها الرئيس السابق جو بايدن، بحجة أنها وُقّعت باستخدام “القلم الآلي” دون احترام المساطر القانونية الكافية. وجاء القرار عبر منشور على منصة “تروث سوشيال”، ليُضاف إلى سلسلة طويلة من التوتر والصراع بين الرجلين، تغذيها خلافات سياسية عميقة وضغائن شخصية متراكمة.

ترامب أوضح في منشوره أن 92% من الأوامر التنفيذية التي أصدرها بايدن جرى توقيعها بالقلم الآلي، وهو ما اعتبره غير قانوني، مؤكداً أنه سيلغي جميع القرارات التي لم يوقّعها بايدن بنفسه. وفي المقابل، أشارت وسائل إعلام أمريكية إلى أن استخدام القلم الآلي إجراء إداري شائع داخل المؤسسات، فيما يتهم الجمهوريون إدارة بايدن بأنها استخدمته بشكل مبالغ فيه، وربما دون علم الرئيس في بعض الأحيان.
ولا يمكن فهم هذا التصعيد بمعزل عن السياق الأوسع للعلاقة المتوترة بين الرجلين، التي لا تعود إلى السنوات الأخيرة فقط، بل إلى محطة انتخابات 2020 حين رفض ترامب الاعتراف بهزيمته. ومع بداية عهد بايدن، جرى إلغاء عدد كبير من سياسات سلفه، وهو ما اعتبره ترامب استهدافاً مباشراً لإرثه. وفي 2024 عاد ترامب إلى البيت الأبيض ليستأنف الهجمات العلنية على بايدن، ثم اتسعت الهوة أكثر خلال 2025 مع تزايد لهجته العدائية وإعلانه مراجعة شاملة لكل ما وصفه بـ”إرث بايدن”. وتصاعد التوتر بشكل أكبر في نوفمبر 2025 بعد إعلان ترامب وقف الهجرة بشكل دائم من ما أسماها “دول العالم الثالث”.
ومع مرور الوقت، تحولت الخلافات السياسية إلى تراشق شخصي وهجمات متبادلة. بايدن اتهم ترامب بأنه جلب “كرة هدم” طالت الدستور وسيادة القانون والديمقراطية نفسها، فيما وصف ترامب بايدن بأنه “أسوأ رئيس في تاريخ أمريكا” واتهمه بتدمير البلاد. ومع إعلانه خططاً لوقف الهجرة وترحيل أي شخص لا يرى أنه يضيف قيمة للولايات المتحدة، بدا ترامب مصمماً على قلب عدد كبير من القرارات التي اتخذتها إدارة بايدن في ملف الهجرة.
وعلى الضفة الأخرى، جاءت سياسات بايدن كرد مباشر على نهج ترامب. فقد أعاد واشنطن إلى اتفاقية باريس للمناخ، وألغى حظر دخول مواطني دول إسلامية، وأوقف بناء الجدار الحدودي مع المكسيك، بينما اعتمد خطاباً سياسياً يدعو إلى الوحدة وتقليص حدة الانقسام الداخلي، في مقابل خطاب ترامب الشعبوي الذي تبنى شعار “أميركا أولاً”.
ورغم أن انتقادات ترامب لبايدن كانت علنية وصاخبة، فإن بايدن بدوره لم يخفِ في جلسات مغلقة شعوره تجاه خصمه. فقد ذكر أشخاص مقربون أنه وصف ترامب بأنه “شخص مريض” يستمتع بمعاناة الآخرين، كما تضاعف غضبه بعد تقارير تحدثت عن أن ترامب كان يشجع مثيري الشغب خلال أحداث اقتحام الكابيتول من داخل غرفة الطعام الخاصة به في 6 يناير.
ويعود عمق هذا الصراع إلى اختلاف جذري بين الرجلين؛ فترامب رجل أعمال جاء من خارج المؤسسة السياسية وقدم نفسه كصوت احتجاجي ضد النظام التقليدي، بينما يمثل بايدن السياسي المخضرم الذي يسعى لإعادة الاستقرار وعودة العمل السياسي إلى مساره التقليدي. هذا التناقض جعل المواجهة بينهما تُقرأ كصراع بين رؤيتين متعارضتين تماماً لمستقبل البلاد.
ولا يقتصر أثر هذه المواجهة على التصريحات والاتهامات، بل ينعكس بشكل مباشر على السياسات الداخلية والخارجية. فقرارات الهجرة، ومراجعة ملفات اللجوء، والسياسات البيئية، والتوجهات الدبلوماسية، كلها باتت ساحات يتجلى فيها هذا الصراع الذي يطال حياة ملايين الأشخاص داخل الولايات المتحدة وخارجها.

وفي مشهد يبدو محيراً وسط هذا الكم من العداء، كشف ترامب مؤخراً عن رسالة تركها له بايدن في البيت الأبيض جاء فيها: “إلى رقم 47، استمتع بها. قم بعمل جيد. من المهم للغاية أن تعرف مدى أهمية المنصب”. ورغم أن هذه اللمسة الإنسانية لا تغيّر من حقيقة التوتر المتراكم بين الرجلين، فإنها تذكر بأن السياسة، مهما اشتد صراعها، تبقى مجالاً بشرياً قد تتجاور فيه الخصومة مع لحظات احترام رمزية نادرة.


Comments
0