في مدينة اعتادت أن تتقلّب مع موجات الغلاء، خرج جزارٌ من شارع بوكراع ليكسر الصمت… ليس بصراخ، بل بخطوة هادئة كان صوتها أعلى من أي احتجاج.
رجل بسيط قرّر أن يُسعّر كيلو اللحم بـ 70 درهماً فقط، وكأنه يقول للسوق كله: “كفى… فقد آن للفقير أن يتنفّس.”
اختار الرجل شعاراً لا يخلو من الحكمة: “عِش يا درويش”.
بضع كلمات ناعمة، لكنها كانت كفيلة بأن تربك حسابات من اعتادوا التحكم في الأسعار بأنامل لا تُرى، وأن تضع كثيرين أمام حقيقة حاولوا طويلاً إخفاءها.
الجزار يروي بهدوء يسبق العاصفة:
“رأيتُ الناس يختنقون تحت وطأة الأسعار. لم أستطع الوقوف متفرجاً، فقررت أن أقدّم موقفاً قبل أن أبيع لحماً.”
كلمات بسيطة… لكنها أشدّ وقعاً من أي بيان رسمي أو تهديد قانوني.
ومع انتشار الخبر، لم يعد السؤال يدور حول السعر الجديد… بل حول الفارق المخيف بين الكلفة الحقيقية وما كان يُفرض على زبائن لا يملكون سوى الصبر.
كيف لجزار واحد أن يبيع بهذا السعر؟
وكيف لأسواق كاملة أن تصرّ على أرقام تعجز الخزائن عن استيعابها؟
أسئلة موجعة… لكنها اليوم مطروحة على الطاولة بفضل خطوة هادئة أحرجت كثيرين دون أن تسميهم.
المبادرة فتحت نقاشاً لم يجرؤ أحد على فتحه:
السوق ليس غابة، والربح ليس تفوّقاً إذا كان على حساب لقمة المواطن.
والرقابة ليست ترفاً… بل ضرورة حين يتحول الغلاء إلى سلاح.
ما فعله جزار شارع بوكراع لم يكن حرباً، بل تذكيراً ناعماً بأن العدل قد يُبعث أحياناً من أبسط الأماكن. وأن الإصلاح لا يحتاج صراخاً… بل يحتاج من يملك شجاعة الخطوة الأولى.
إنها ليست قصة تخفيض سعر.
إنها همسة احتجاج…
وإنذار لطيف…
ورسالة تقول:
الوطن يُبنى حين يختار أحدهم أن يقف في صف الناس، لا في صف السوق.


Comments
0