ظاهرة الهوس بالتوقعات قراءة نفسيةواجتماعية في زمن القلق - m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |أخبار 24 ساعة

ظاهرة الهوس بالتوقعات قراءة نفسيةواجتماعية في زمن القلق

ZNWGEWAMRV

في الآونة الأخيرة، أصبح الحديث عن “التوقعات” حاضرًا بقوة في الفضاء العام، من منصات التواصل الاجتماعي إلى المجالس الخاصة، ومن التحليلات شبه الغيبية إلى الخطابات التي تتدثر بلغة العقل والعلم. لم يعد الأمر مقتصرًا على فئة بعينها، بل تحول إلى ظاهرة جماعية عابرة للأعمار والمستويات الثقافية. هذا الانتشار الواسع لا يمكن فهمه بوصفه فضولًا عابرًا أو ميلًا ترفيهيًا، بل هو تعبير دالّ عن تحولات أعمق تطال علاقة الإنسان بذاته وبالزمن وبالمستقبل.

في جوهر هذه الظاهرة يكمن القلق. فالإنسان، عندما يعيش فترات تتسم بعدم الاستقرار وتراجع اليقين، يفقد إحساسه بالتحكم في مسار حياته. ومع اهتزاز المرجعيات التقليدية، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو رمزية، يصبح المستقبل مساحة مقلقة أكثر مما هو أفقًا مفتوحًا. هنا، لا يعود السؤال عن الغد رغبة في المعرفة بقدر ما يتحول إلى محاولة دفاعية لاحتواء الخوف. التوقع، في هذا السياق، لا يؤدي وظيفة استشرافية بقدر ما يؤدي وظيفة نفسية: تهدئة القلق عبر إعطائه شكلًا لغويًا وسرديًا.

من منظور نفسي، يمكن اعتبار التعلق بالتوقعات آلية تعويضية. فالعقل الإنساني لا يحتمل الفراغ ولا الغموض المطلق. وعندما يعجز عن فهم ما يجري في الحاضر أو التأثير فيه، يلجأ إلى بناء سيناريوهات مستقبلية، حتى وإن كانت واهية أو متناقضة. المفارقة هنا أن التوقع الخاطئ قد يكون أقل إيلامًا من غياب أي تصور على الإطلاق. فوجود قصة عن المستقبل، مهما كانت هشاشتها، يمنح شعورًا مؤقتًا بالأمان، وكأن المجهول قد تم ترويضه بالكلمات.

اجتماعيًا، تتغذى هذه الظاهرة من مناخ القلق الجماعي. فحين يصبح الخوف مشتركًا، يسهل تداوله وتطبيعه. الحديث عن التوقعات يتحول إلى لغة جماعية لتبادل المخاوف والآمال، وإلى وسيلة لخلق شعور زائف بالتماسك: نحن جميعًا ننتظر الشيء نفسه، ونخاف الشيء نفسه. بهذا المعنى، لا تُنتج التوقعات معرفة، بل تنتج نوعًا من التضامن القلق، حيث يتقاسم الأفراد الشعور بالعجز بدل أن يواجهوه.

أما الفضاء الرقمي، فقد لعب دورًا حاسمًا في تضخيم الظاهرة. فالخوارزميات لا تكافئ العمق ولا التريث، بل ترفع المحتوى الذي يثير الدهشة والانفعال. التوقعات، بطابعها الغامض والمثير، تصبح مادة مثالية للاستهلاك السريع. ومع الوقت، يتحول بعض مروّجيها إلى “مرجعيات” رقمية، لا بفضل دقة ما يقولون، بل بسبب نبرة اليقين التي يتحدثون بها. وهنا يكمن الخطر: فالثقة لا تُبنى على صحة المعطيات، بل على الإحساس النفسي الذي يولده الخطاب.

رمزيًا، تكشف الظاهرة عن فراغ في المعنى. ففي لحظات تراجع الثقة في الخطابات الكبرى والمؤسسات، يبحث الإنسان عن بدائل تمنحه تفسيرًا بسيطًا لعالم معقد. التوقعات، مهما اختلفت أشكالها، تقدم وعدًا ضمنيًا بالمعنى: هناك من “يعرف”، وهناك نظام خفي يمكن فهمه. هذا لا يعني أن الناس فقدوا عقلانيتهم، بل يعني أنهم يعيشون إنهاكًا ذهنيًا يجعلهم يميلون إلى الحلول السريعة بدل التحليل الطويل.

إن خطورة هذه الظاهرة لا تكمن في التوقعات ذاتها، بل في تحولها إلى بديل عن التفكير النقدي وعن الفعل الواعي. حين يصبح المستقبل موضوع استهلاك يومي، يفقد الحاضر قيمته، ويتحول الانتظار إلى أسلوب حياة. بدل السؤال: ماذا نفعل؟ يصبح السؤال: ماذا سيحدث؟ وبهذا ينتقل الإنسان من موقع الفاعل إلى موقع المتفرج.

في المحصلة، فإن الهوس بالتوقعات هو عرض، لا سبب. عرض لقلق جماعي، لهشاشة الإحساس بالأمان، ولحاجة إنسانية عميقة إلى الطمأنينة في عالم متقلب. التعامل مع هذه الظاهرة لا يكون بالسخرية منها ولا بتقديسها، بل بفهم جذورها النفسية والاجتماعية، وإعادة الاعتبار للتفكير النقدي، وللحاضر بوصفه المجال الوحيد الممكن للفعل والمعنى.

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث