حين تستهلك الكتابة وتهمش اليد التي كتبتها - m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |أخبار 24 ساعة

حين تستهلك الكتابة وتهمش اليد التي كتبتها

IMG-20260101-WA0051

في كل مرة يُطرح فيها سؤال موقع كاتب السيناريو داخل المنظومة السمعية البصرية، يعود النقاش إلى النقطة نفسها: كلام كثير عن القواعد، وصمت طويل عن الممارسة. كأن المشكلة تكمن فقط في النصوص التنظيمية، لا في الطريقة التي يُشتغل بها فعليًا داخل الكواليس. والحال أن ما يُنهك الكاتب اليوم ليس غياب الخطاب، بل غياب المسار الواضح.

كاتب السيناريو في المغرب لا يُقصى دائمًا بقرار صريح، بل غالبًا بطريقة أكثر نعومة وأشد قسوة: نص يُؤخذ دون مسار، مجهود يُستثمر دون أثر، وفكرة تُستعمل دون اعتراف. لا أحد يقول “لا نريدك”، لكن كل شيء يُنظَّم كي لا تصل. هكذا يُدار الإقصاء الحديث: بلا ضجيج، وبلا مسؤولية مباشرة.

المنظومة الحالية تشتغل بمنطق شبكي مغلق. الأسماء تتكرر، ليس لأنها الوحيدة القادرة على الكتابة، بل لأنها الوحيدة التي تعرف الطريق غير المعلن. أما من يشتغل خارج هذه الدوائر، فيظل معلقًا بين وعود شفهية، وانتظارات مفتوحة، ومشاريع لا تكتمل. في هذا المناخ، يصبح النص عملة بلا حماية، والكاتب صاحب جهد بلا موقع.

المشكلة لا تكمن في وجود الإنتاج، بل في الطريقة التي تُدار بها العلاقة معه. حين تكون كل القنوات غير مرئية، يصبح الكاتب مضطرًا إلى التكيّف بدل التفاوض، وإلى القبول بدل النقاش. لا لأن النص ضعيف، بل لأن شروط عرضه غير متكافئة. هنا بالضبط يتشكل الخلل البنيوي: الكاتب لا ينافس على الجودة، بل على القرب.

كثير من النصوص لا تُرفض لأنها غير صالحة، بل لأنها لم تمر عبر “الشخص المناسب”. وكثير من المشاريع لا ترى النور، لا لغياب الإمكانات، بل لأن أصحابها لا يملكون وسيلة لإثبات وجودهم داخل المسار المهني. في غياب فضاء واضح، تتحول العلاقات إلى معيار، وتتحول الكفاءة إلى عامل ثانوي.

الحديث عن تحسين شروط الاشتغال لا يمكن أن يبقى حبيس الشعارات العامة. لأن الواقع أثبت أن القاعدة وحدها لا تحمي من التهميش، إذا لم تُسندها أدوات تُجسّدها. الكاتب يحتاج إلى أكثر من اعتراف نظري؛ يحتاج إلى آلية تحفظ أثر عمله، وتمنحه موقعًا تفاوضيًا، وتُخرج النص من التداول الهش.

الخطر الحقيقي ليس في التفكير في أدوات جديدة، بل في الاستمرار في الاشتغال داخل فراغ منظم. الفراغ هنا ليس بريئًا، بل يخدم من يملك النفوذ. وحين يُترك الكاتب بلا مسار مهني واضح، يُدفع تلقائيًا إلى أحد خيارين: إما الصمت، أو الانسحاب. وفي الحالتين، تخسر الكتابة نفسها.

ثم إن الدفاع عن الكرامة المهنية لا يعني القطيعة أو المواجهة الدائمة، بل إعادة ترتيب موازين العلاقة. الكاتب الذي يمتلك مسارًا واضحًا لعمله، يصبح أقل عرضة للابتزاز المعنوي، وأقل اضطرارًا للتنازل، وأكثر قدرة على قول “لا” حين يجب.

لا يمكن لمنظومة تدّعي التطوير أن تستمر في استهلاك النصوص دون حماية أصحابها. ولا يمكن الحديث عن عدالة إنتاجية بينما يظل الكاتب الحلقة الأضعف، بلا أرشيف، بلا تتبع، وبلا أثر رسمي لعمله. هذه ليست مسألة تقنية، بل مسألة موقع وقيمة.

المطلوب اليوم ليس استبدال معركة بأخرى، بل الخروج من منطق الانتظار. الانتظار أن يتغير شيء من تلقاء نفسه، أو أن تُمنح الفرصة صدفة، أو أن يُفتح الباب من الداخل. هذا المنطق استُهلك، وأثبت حدوده.

ما يحتاجه الكاتب هو الانتقال من الهامش إلى المسار، ومن الظل إلى الفضاء المرئي، ومن العلاقة الشخصية إلى الإطار المهني. دون ذلك، سيظل الحديث عن الإنصاف مجرد إعادة صياغة للخيبة.

الكتابة ليست طلبًا للشفقة، بل فعل إنتاج. ومن يُنتج، يستحق موقعًا

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث