برحيل الإعلامي القدير الحسين برحو، لا تفقد الساحة الإعلامية الأمازيغية صوتًا مخضرمًا فحسب، بل تفقد ذاكرة حية من ذاكرات الإذاعة الوطنية، ورجلًا راكم تجربة استثنائية جمعت بين الإعلام، والثقافة، وخدمة الشأن العام.
الراحل، ابن بلاد زيان بإقليم خنيفرة، كان شاهدًا ومشاركًا في اللحظات التأسيسية للإعلام العمومي المغربي، منذ التحاقه بدار الإذاعة الوطنية سنة 1959. بصوته الرخيم وإتقانه للغة، أسهم في ترسيخ حضور الأمازيغية داخل الإعلام الرسمي، وكان من أوائل الصحفيين الذين رافقوا جلالة الملك الحسن الثاني في جولاته، منجزًا سنة 1963 أول مراسلة إذاعية بالأمازيغية من خارج الوطن.
لم يكن الحسين برحو مجرد ناقل للأخبار، بل صاحب رؤية نقدية جريئة، عبّر عنها بوضوح في قراءته لمسار الأغنية الأمازيغية، حين اعتبر أن محمد رويشة ظاهرة فنية غير قابلة للتكرار، نتاج سياق اجتماعي وثقافي وتاريخي خاص، محذرًا في الآن ذاته من توقف التطور النوعي للأغنية الأطلسية عند جيل المؤسسين، وما رافق ذلك من اجترار وتشويه للتراث بدل تجديده.
إلى جانب عمله الإذاعي، ساهم في توثيق الذاكرة الغنائية الأمازيغية، وشارك في أول عملية رسمية لتسجيل الفرق الأطلسية لفائدة الإذاعة الوطنية، قبل أن يتولى مهام عليا، من بينها التفتيش العام بالمكتب الوطني المغربي للسياحة، مدافعًا عن الجبل والسياحة الجبلية باعتبارهما رافعة ثقافية وتنموية.
برامج مثل “أمنوس ن تمازيرت” جعلت من الإذاعة منبرًا حقيقيًا للمواطن القروي والجبلي، في زمن كان فيه الصوت الإذاعي هو الجسر الوحيد بين الهامش والمركز.
برحيل الحسين برحو، يطوى فصل من فصول الإعلام العمومي الملتزم، ويظل السؤال الذي تركه معلقًا: كيف نستعيد روح التأسيس، ونحول التراث من ذاكرة جامدة إلى إبداع متجدد؟
رحم الله الفقيد وأسكنه فسيح جناته. إنا لله وإنا إليه راجعون.


Comments
0