لم يعد الخلاف الدائر بين جمعية هيئات المحامين بالمغرب ووزير العدل مجرد تباين في وجهات النظر حول مشروع قانون، بل تحوّل، كما تكشفه الوثيقة المقارنة، إلى واقعة نقض صريح لتوافقات مهنية ومؤسساتية تم الإعلان عنها خلال مسار الحوار، قبل أن يتم الالتفاف عليها في الصيغة الجديدة للنص التشريعي.
الوثيقة لا تكتفي بإبداء موقف، بل تُقدّم مقارنة واضحة بين ما تم الاتفاق عليه وبين ما خرج به مشروع القانون في نسخته المعدّلة، وهو ما يضع مصداقية الحوار، وجدّية المقاربة التشاركية، على المحك.
- ما تم الاتفاق عليه: اعتماد المقاربة التشاركية واحترام خلاصات الحوار مع الهيئات المهنية.
- ما جاء في الصيغة الجديدة: إقرار تعديلات جوهرية خارج منطق التوافق، وبقرار أحادي من السلطة التنفيذية.
- ما تم الاتفاق عليه: تعزيز استقلالية المهنة وتكريس دورها كشريك أساسي في تحقيق العدالة.
- ما جاء في الصيغة الجديدة: تراجع عن عدد من الضمانات المهنية، بما يضعف موقع المحامي داخل المنظومة القضائية.
- ما تم الاتفاق عليه: الحفاظ على توازن واضح بين التنظيم الذاتي للمهنة ودور الدولة.
- ما جاء في الصيغة الجديدة: توسيع غير مبرر لمجالات تدخل الوزارة، بما يمس جوهر الاستقلال المهني.
- ما تم الاتفاق عليه: قانون إصلاحي توافقي يعكس انتظارات المهنيين.
- ما جاء في الصيغة الجديدة: نص تشريعي مفروض يفرغ الحوار من مضمونه، ويحوّله إلى إجراء شكلي.
ما تكشفه الوثيقة ليس اختلافًا تقنيًا حول الصياغة، بل انتقالًا مقلقًا من منطق الشراكة إلى منطق الفرض. الأخطر في هذا التحول، أن من يقف خلفه وزير عدل قادم من جسم المحاماة نفسه، وهو ما يضفي على الواقعة بعدًا أخلاقيًا ومهنيًا يتجاوز الحسابات السياسية الضيقة.
فحين يُنقَض الاتفاق، لا يُمسّ فقط نص قانوني، بل تُمسّ الثقة في الحوار، وتُضرب مصداقية المؤسسات، ويُفتح الباب أمام احتقان مهني كان بالإمكان تفاديه لو تم احترام ما جرى الالتزام به.
إن الوثيقة، بما تحمله من معطيات مقارنة، تضعنا أمام سؤال جوهري: ما جدوى الحوار إذا كانت مخرجاته تُعدَّل أو تُلغى عند أول اختبار تشريعي؟
فالقوانين لا تُقاس فقط بسلامة لغتها، بل بمدى وفائها لروح التوافق الذي يُفترض أن يؤسسها. وحين يُخان هذا الوفاء، يصبح الإصلاح نفسه محل شك.


Comments
0