إن أي احتمال لمغادرة السيد عبد العزيز أخنوش رئاسة حزب التجمع الوطني للأحرار لا يمكن قراءته باعتباره قرارًا شخصيًا أو تعبيرًا عن ممارسة طوعية لفضيلة سياسية نادرة، بقدر ما ينبغي فهمه ضمن منطق مؤسساتي أوسع يتجاوز الأفراد ويضع الفاعلين الحزبيين داخل أدوار سياسية محددة سلفًا.
ففي السياق المغربي، تتحرك الأحزاب الكبرى ضمن هندسة عامة للتوازنات السياسية، ولا تعمل بمعزل عن منطق الضبط العام للحقل الحزبي. ويُعد حزب التجمع الوطني للأحرار، تاريخيًا، حزبًا ذا طبيعة وظيفية أكثر منه حزبًا عقائديًا أو تعبيرًا عن صراع اجتماعي واضح. فقد نشأ وتطور للقيام بأدوار معينة كلما اقتضت الضرورة ذلك، وكانت وظيفته الأساسية المساهمة في تحقيق التوازن داخل المشهد السياسي، خاصة في لحظات تعرف بروز قوى قد تُعد، في نظر الدولة، بحاجة إلى الاحتواء أو المعادلة.
ومن هذا المنطلق، فإن صعود السيد عبد العزيز أخنوش إلى قيادة الحزب، كما احتمال مغادرته، يندرجان ضمن منطق الوظيفة السياسية أكثر من كونهما نتيجة دينامية تنظيمية داخلية. فلم يكن اختياره تعبيرًا عن تيار فكري داخل الحزب، بقدر ما كان استجابة لحاجة مرحلة سياسية معينة، تطلبت شخصية تجمع بين الخلفية الاقتصادية، والشبكات الاستثمارية، والكفاءة التقنية، والقدرة على طمأنة الفاعلين الاقتصاديين داخليًا وخارجيًا، إلى جانب تحمل المسؤولية السياسية.
غير أن منطق تدبير الشأن العام لا يقوم على الاستمرارية الشخصية، بل على تقييم دوري لمدى ملاءمة الوجوه والأدوار مع متطلبات المرحلة. وعندما يُقدَّر أن وظيفة معينة قد استنفدت أغراضها، أو أن الكلفة السياسية والرمزية لاستمرار نفس القيادة أصبحت تفوق فائدتها، يتم التفكير في إعادة الترتيب. وغالبًا ما يتم هذا التحول بشكل تدريجي وهادئ، ويُقدَّم في إطار قرارات تنظيمية داخلية، بينما يعكس في العمق إعادة ضبط للتوازنات العامة.
ويلاحظ المتتبعون لتجربة حزب التجمع الوطني للأحرار أن آليات الديمقراطية الداخلية، رغم وجودها شكليًا، يظل تأثيرها محدودًا. فالقرارات الحاسمة لا تُحسم داخل المؤتمرات أو الهياكل التنظيمية فقط، بل تتأثر باعتبارات أوسع تتجاوز الإطار الحزبي. وتُستدعى القواعد التنظيمية للمصادقة، فيما تُمنح القيادات الوسيطة أدوارًا محددة لا تمس جوهر التوازن العام.
وعليه، فإن أي تغيير محتمل في قيادة الحزب لا يمكن اعتباره بالضرورة محاسبة سياسية أو تجديدًا ديمقراطيًا بقدر ما هو تحيين للوظيفة التي أُسندت للحزب في مرحلة معينة. قد تتغير الواجهة، لكن منطق الاشتغال يظل ثابتًا: حزب قريب من منطق الدولة، يتحرك وفق إيقاعها، ويتكيف مع متطلبات كل مرحلة.
وتبرز هنا مفارقة أساسية، تتمثل في أن هذا النموذج يُفرغ العمل الحزبي من مضمونه السياسي العميق، ويجعل النقاش حول البرامج والقيادات مسألة شكلية. فحين يرتبط الحزب بشخص يؤدي وظيفة محددة، فإن مغادرته لا تعني بالضرورة فتح أفق سياسي جديد، بل تعكس نهاية مرحلة وبداية أخرى ضمن نفس المنطق.
وخلاصة القول، فإن أي ترحيل محتمل للسيد عبد العزيز أخنوش – إن تم – ينبغي فهمه كحلقة عادية في آلية اشتغال النسق السياسي المغربي، القائمة على تغيير الواجهات دون المساس بالقواعد، وإعادة توزيع الأدوار دون مراجعة المنطق العام، بما يضمن الحفاظ على التوازنات، حتى وإن كان ذلك على حساب الدينامية السياسية نفسها.
وفي هذا الإطار، لا يُطرح السؤال: لماذا يغادر أخنوش؟ بل متى يتم تقدير أن المرحلة تتطلب وجهًا آخر يؤدي الدور ذاته.


Comments
0