في سياق يتسم بتزايد الوعي بأهمية المكون الأمازيغي في بناء الهوية الوطنية المغربية، تستعد مدينة خنيفرة لاحتضان حدث ثقافي وعلمي وطني بارز، يتمثل في الاحتفال برأس السنة الأمازيغية الجديدة 2976، الذي تنظمه مؤسسة روح أجدير الأطلس – خنيفرة بشراكة مع عدد من الفاعلين المؤسساتيين والثقافيين، وذلك يومي 14 و15 يناير 2026.
هذا الموعد يأتي كما يبرز من شعار الدورة، في سياق واعٍ يروم التأكيد على أن “الأمازيغية ركيزة أساسية لترسيخ الهوية الوطنية”، أي باعتبارها مكوناً دستورياً وثقافياً وتاريخياً لا ينفصل عن المشروع المجتمعي المغربي العام.
برنامج متكامل بأبعاد ثقافية وتربوية وعلمية تنطلق الفعاليات يوم الأربعاء 14 يناير 2026 من قاعة المحاضرات بجماعة خنيفرة بحفل افتتاح رسمي، يتضمن كلمات ترحيبية ومداخلات مؤسساتية، إلى جانب محاضرة افتتاحية للأستاذ أحمد حدّاشي، الباحث في اللغة والثقافة الأمازيغية، مع تكريمه اعترافاً بإسهاماته العلمية والمعرفية في هذا المجال.
وفي اليوم الموالي، الخميس 15 يناير 2026، ينتقل الحدث إلى مستوى أعمق من النقاش العلمي عبر تنظيم ندوة علمية تتمحور حول موضوع:
“أنطولوجيا الموسيقى الأمازيغية في الأطلس المتوسط: مساهمتها في تأهيل الحقل اللغوي والثقافي الأمازيغي”، بمشاركة باحثين وأكاديميين وفنانين مختصين، حيث ستتم مقاربة الموضوع من زوايا علمية وموسيقية وسوسيولوجية، بما يعكس الرهان على المعرفة الرصينة في تثمين التراث اللامادي.
بموازاة الشق العلمي، يحتضن الشطر الثقافي والفني مجموعة من العروض الأمازيغية التي تشمل الشعر، والموسيقى، والرقصات الجماعية، والوصلات الفنية التراثية، بمشاركة فرق محلية وجهوية، في تعبير حي عن استمرارية الثقافة الأمازيغية وقدرتها على التجدد.
كما يتضمن البرنامج أنشطة موازية ذات بعد تربوي وتكويني، من بينها معارض للتراث الأمازيغي والمنتوجات التقليدية، ومعرض للفنون التشكيلية والصورة الفوتوغرافية، ومعرض للكتاب الأمازيغي والمغربي، إضافة إلى عروض تربوية يشارك فيها تلاميذ المؤسسات التعليمية بالإقليم، في خطوة تعكس الرهان على المدرسة باعتبارها فضاءً مركزياً لترسيخ قيم التعدد الثقافي والانتماء الوطني.
يأتي هذا الاحتفال في سياق وطني خاص، بعد ترسيم رأس السنة الأمازيغية عيداً وطنياً رسمياً، وهو ما يمنح لهذه المبادرة بعداً يتجاوز المحلي إلى الوطني، ويجعل منها مساهمة عملية في تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية ليس فقط على مستوى النصوص، بل أيضاً في الممارسة الثقافية والتربوية والمجتمعية.
كما أن اختيار خنيفرة، بما تحمله من رمزية تاريخية وثقافية في الأطلس المتوسط، يضفي على التظاهرة معنى إضافياً، ويكرس دور المنطقة كرافعة أساسية في صيانة الذاكرة الجماعية الأمازيغية وتثمينها.
إن المتأمل في مضمون البرنامج وتنوع فقراته يدرك أن الأمر لا يتعلق بمجرد احتفال رمزي، بل بمشروع ثقافي متكامل يسعى إلى الربط بين الاحتفاء، والتأصيل، والتفكير العلمي، والتربية على الهوية. وهو ما يجعل من هذه الدورة نموذجاً لما يمكن أن تكون عليه الاحتفالات الثقافية حين تُبنى على رؤية واضحة، وتؤطرها أهداف معرفية ومجتمعية دقيقة.
بهذا المعنى، يشكل الاحتفال برأس السنة الأمازيغية 2976 بخنيفرة رسالة ثقافية قوية مفادها أن الأمازيغية ليست فقط ذاكرة ماضية، بل رصيد حيّ وفاعل في بناء مغرب التعدد والوحدة والاعتزاز بالذات الحضارية.





Comments
0