الأمن في خدمة الجماهير: صورة مشرقة للمقاربة الأمنية المغربية خلال CAN 2025 - m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |أخبار 24 ساعة

الأمن في خدمة الجماهير: صورة مشرقة للمقاربة الأمنية المغربية خلال CAN 2025

IMG-20260118-WA0052

Security in service of the public: A bright image of the Moroccan security approach during CAN 2025

 

في حديثي مع أحد الأصدقاء من خارج أرض الوطن حول هذه التظاهرة الرياضية الشيقة، كأس الأمم الأفريقية الــــــــــCAN 2025، لم نجد بدا من الحديث عن أهم المحطات التي مر بها هذا المشروع الضخم والذي تطلب وقتا مهما ومجهودات جبارة ودراسات لامست أدق الجزئيات كي تعطينا تلك الصورة الجميلة المشرقة والمشرفة للبلد برمته ولقائده الهمام، جلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأطال عمره. وللتأكيد على أهمية تلك الجزئيات، أثار انتباه صديقي “المقاربة الأمنية” المشرفة التي نهجها المغرب، بكل شرائح القوى الأمنية ومهنيتها العالية، وحبكة كل جوانبها، فكانت مدخلاً أساسياً لفهم نجاح هذه التظاهرة الرياضية من زاوية تتجاوز المستطيل الأخضر إلى عمق التخطيط الاستراتيجي للدولة.

نهج استراتيجية الاستباق، والتنسيق، والمرونة

لقد اعتمدت المملكة المغربية، في تنظيم هذه التظاهرة الرياضية المثالية الكبرى، وبدون منازع، على مقاربة أمنية محكمة وشمولية تقوم على ثلاثة ركائز أساسية، ألا وهي: “الاستباق، والتنسيق، والمرونة. “فلم يكن الحضور الأمني حضوراً تقليدياً قائماً على المنع والزجر، كما كان معروفاً في بلدان كثيرة، بل على العكس من ذلك، فقد كان حضوراً ذكياً يوازن بين حفظ النظام وضمان راحة الجماهير، سواء من المواطنين أو من الضيوف الأجانب، مع الأخذ بالجانب الأخلاقي واستحضار القيم الأخلاقية للمغرب كبلد مسلم وبلد مضياف. ولا شك أن ذلك قد تجلى، على مرأى ومسمع الجميع، في الانتشار المحكم والمنظم لعناصر الأمن بمختلف تلاوينهم، وفي اعتماد وسائل تكنولوجية حديثة، كالكاميرات الذكية، وأنظمة المراقبة الرقمية، والتدخل السريع عند الحاجة دون المساس بسلاسة الحدث أو أجوائه الاحتفالية. وهكذا فقد رأينا تصرفات جد إيجابية من كل شرائح الأمن والسلطات المحلية في جميع المدن وفي محيط جميع الملاعب، ومواقف إنسانية بكل ما في الكلمة من معنى، ترفع لهم القبعة على ذلك.

ومن الأمثلة الدالة على نجاعة هذه المقاربة ومدى نجاحها، قدرة الأجهزة الأمنية على تدبير الحشود الكبيرة حول الملاعب ومناطق المشجعين (Fan Zones) دون تسجيل حوادث تذكر، وكذلك وجود عناصر الأمن من دراجين وخيالة وغيرهم، وهو أمر ليس بالهين إذا ما استحضرنا التجارب الدولية والتي سبق أن نظمت تظاهرات رياضية كبرى أيضاً، وما شابها من ازعاج أو خروج عن السيطرة أحياناً. ففي بعض الدول التي احتضنت تظاهرات رياضية مماثلة، مثل البرازيل خلال كأس العالم 2014، فقد طغت الاحتجاجات الاجتماعية والانفلاتات الأمنية على المشهد، مما أثر نسبياً على صورة الحدث والبلد المنظم، وأثار شكوكاً لدى البعض في عدم إمكانية التواجد هناك لمتابعة بقية التظاهرة والإسراع في الرجوع. وقد أثر هذا أيضاً، وبدون شك، على مستوى التنظيم والحضور لمشاهدة باقي المباريات. كما شهدت فرنسا هي الأخرى خلال كأس أمم أوروبا 2016 أحداث شغب وأعمال عنف بين جماهير بعض المنتخبات، رغم الإمكانات الأمنية الكبيرة، مما أعطى انطباع الخوف والتخوف لدى بعض المشجعين أو الجماهير بصفة عامة.

النموذج المغربي: نجاح مبهر

في المقابل، نلاحظ بأن المغرب قد قدّم نموذجاً مغايراً، حيث ساد الإحساس بالأمن والطمأنينة دون إحساس بالاختناق أو التضييق، مع إمكانية الولوج إلى مدرجات الملاعب ومغادرتها بكل سلاسة وأريحية، مما أتاح للجماهير أيضاً فرصة للتجول في ربوع الوطن والاستمتاع بما تزخر به باقي المدن والقرى من مناظر خلابة وفسيفساء ثقافية وفلكلورية ممزوجة بأمطار الخير والثلوج في مناطق شتى خلال هذه التظاهرة. ومما لا شك فيه أيضاً، أن هذا النجاح الذي أبهر العالم يعود إلى اعتماد مقاربة تشاركية، جعلت من المواطن نفسه شريكاً في إنجاح الحدث، حيث أبان كل مواطن وكل مواطنة عن السلوك الحضاري الرائع ومشاركة الضيوف فرحتهم بزيارة المغرب وذلك من خلال حسن وكرم الضيافة المغربية الراسخة، ومن رجل الأمن عنصراً للتوجيه والمساعدة قبل أن يكون أداة للردع. هذه الفلسفة الأمنية الرائدة، التي راكمها المغرب عبر سنوات من تدبير التظاهرات الكبرى مثل ألعاب البحر المتوسط التي استضافها المغرب بنجاح في مدينة الدار البيضاء سنة 1983وغيرها من التظاهرات في رياضات مختلفة ومناسبات عديدة، أكسبته احترام المتابعين الدوليين، وأضحت محط إشادة الإعلام الأجنبي.

جوانب أخرى من النجاح

ولم يقتصر النجاح على الجانب الأمني فقط، بل تداخلت معه جوانب أخرى لا تقل أهمية، كالبنية التحتية، والنقل، والتنظيم اللوجستي، والاستقبال. فقد تم تأهيل الملاعب وفق المعايير الدولية، وربطها بشبكة طرق ووسائل نقل حديثة، ما سهّل تنقل الجماهير والوفود. ولعلنا جميعاً نلاحظ ما تناولته الصحف العربية والدولية وكافة وسائل الاعلام الوطنية والدولية عن عشب الملاعب وكيفية التخلص من مياه الأمطار وتجميعها لأغراض الري، دون تأثر أرضية تلك الملاعب بدرجة التساقطات المطرية. وإذا قارنا هذا الوضع بتجارب دول إفريقية أو حتى أوروبية، نجد أن عدداً من البلدان تعاني من اختلالات تنظيمية واضحة رغم توفر الإمكانات المالية، كما حدث في بعض دورات كأس إفريقيا للأمم، حيث برز ضعف في المواصلات أو سوء في تدبير مواعيد المباريات، مما جعل المهمة صعبة على البلدان المنظمة لتلك التظاهرات.

أما على مستوى الصورة العامة للبلد، فقد شكلت هذه التظاهرة فرصة لإبراز الوجه الحضاري للمغرب، بثقافته، وضيافته، وتنوعه. فقد انبهر صديقي، كما غيره من المتابعين، بالتعايش السلس بين الجماهير المختلفة الجنسيات، وبالاحتفالات العفوية التي عمّت الشوارع والساحات، في مشهد يعكس عمق القيم المغربية القائمة على التسامح والانفتاح. وهو ما يميز التجربة المغربية الفريدة عن تجارب أخرى، حيث تطغى أحياناً النزعة القومية المتشنجة أو العنصرية، كما شهدنا في بعض الملاعب الأوروبية.

ولا يمكن الحديث عن هذا النجاح دون الإشارة إلى القيادة الرشيدة التي جعلت من الرياضة رافعة للتنمية وصورة مشرفة للدولة. فالرؤية الملكية السامية والمتبصرة، التي تراهن على الاستثمار في الإنسان والمجال، انعكست بوضوح في هذا المشروع، حيث التقت الإرادة السياسية مع كفاءة الأطر الوطنية المحنكة، فكان الناتج حدثاً يليق بمكانة المغرب إقليمياً ودولياً.

خلاصة:

وخلاصة القول، فإن هذه التظاهرة الرياضية التي أتاحت لكل فريق إقامة راقية ومريحة، مع وجبات تعكس تميز الأكلات والمطبخ المغربي الأصيل، وملعب مخصص لها وحدها كي تقوم بكل تداريبها بكل أريحية، لم تكن مجرد مباريات تُلعب ونتائج تُسجل، بل كانت درساً في التخطيط، والتنظيم، وتدبير الأمن، وبناء الصورة. المشرفة، كما رفعت السقف عالياً وأصبح اليوم كل بلد يحسب ألف حساب قبل أن يرشح نفسه لاستضافة أي تظاهرة كهذه. وعند مقارنتها بتجارب بلدان أخرى، يتضح أن نجاح المغرب لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة عمل تراكمي ورؤية واضحة. وهو ما جعل صديقي، في ختام حديثنا، يقر بأن المغرب بات نموذجاً فريداً من نوعه يُحتذى به في تنظيم التظاهرات الكبرى، مثل كأس أفريقيا للأمم أو كأس العالم وغيرها، ليس فقط في العالم العربي أو الإفريقي، بل على الصعيد الدولي ككل.

كما نلاحظ بأن رجل الأمن قد أعطى، بمختلف أسلاكه وتخصصاته، انطباعاً وصورة لافتة خلال هذه التظاهرة الرياضية الكبرى وهذا العرس الرياضي الجميل، حين انتقل من الدور التقليدي القائم على الحراسة وضبط النظام إلى دور إنساني تفاعلي يضع خدمة المواطن والزائر في صلب مهامه اليومية. فقد بدا رجل الأمن قريباً من الجماهير، مبتسماً، منصتاً، تبادله الجماهير بالمحبة والورود، وبدا مستعداً لتقديم المساعدة في كل لحظة، وهو ما عزز الإحساس بالثقة والطمأنينة لدى الجميع.

ومن أبرز الصور التي شدت انتباه المتابعين، العناية الخاصة بذوي الاحتياجات الخاصة، حيث حرصت العناصر الأمنية على تسهيل ولوجهم إلى الملاعب والساحات العمومية بكل احترام وتقدير وسلاسة وانسيابية، ومرافقتهم عند الضرورة، وتوفير ممرات خاصة تضمن سلامتهم وكرامتهم. ولم يكن ذلك تصرفاً فردياً أو اجتهاداً شخصياً، بل ثمرة تكوين وتوجيه واضحين، جعلا من احترام الفئات الهشة أولوية إنسانية وأخلاقية قبل أن تكون إجراءً تنظيمياً محضاً. وقد شوهد رجال ونساء الأمن وهم يساعدون أشخاصاً على الكراسي المتحركة، أو يوجهون ضعاف البصر، أو يمنحون الأولوية لكبار السن، في مشاهد لاقت استحساناً واسعاً داخل الوطن وخارجه.

أما شرطة المرور، فقد لعبت دوراً محورياً في إنجاح الحدث، من خلال تدبير ذكي وسلس لحركة السير ليلاً ونهاراً، خاصة في محيط الملاعب والمحاور الكبرى. فلم تسجل اختناقات خانقة رغم الكثافة غير المعتادة، بفضل الانتشار المدروس، والتواصل المباشر مع السائقين، وتقديم الإرشادات بدل الاكتفاء بالمخالفات. هذا الأسلوب الحضاري في التعامل والذي كان ملحوظاً لدى العيان، جعل رجل المرور شريكاً في التنظيم لا خصماً للمواطن ولا للزوار الوافدين إلى أرض الوطن، وأسهم في خلق جو من الانضباط الطوعي واحترام القانون.

وبدورها، برزت الوقاية المدنية كعنصر أساسي في منظومة الأمان وسلامة كل الأفراد من مواطنين وزوار، وذلك من خلال جاهزيتها العالية وسرعة تدخلها عند أي طارئ، سواء تعلق الأمر بحالات إغماء وسط الجماهير، أو إسعافات أولية، أو تدخلات وقائية استباقية. وكان لوجودها القريب من الفضاءات المخصصة للجماهير أثر كبير في طمأنة العائلات والأطفال، وإعطاء الانطباع بأن سلامة الإنسان تحتل صدارة الاهتمام.

وإذا جمعنا كل هذه الصور، نجد أن جميع شرائح الأمن الأبية—من أمن وطني، ودرك، وقوات مساعدة، ووقاية مدنية—قدمت نموذجاً متكاملاً في العمل الجماعي والتنسيق المحكم. نموذج يقوم على الانضباط، وحسن التواصل، والبعد الإنساني، ويعكس صورة دولة تعرف كيف تحمي ضيوفها ومواطنيها دون أن تفقد دفء التعامل وروح الخدمة.

وهكذا، لم يكتف رجل الأمن بحفظ النظام، بل أسهم فعلياً في صناعة صورة مشرقة للبلد، كما أكد عليها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، حيث غدا رجل الأمن سفيراً للأمن الإنساني، ورسالة حية من جميع أفراده وشرائح إداراته مفادها أن قوة الدولة وعظمتها لا تقاس فقط بصرامة قوانينها، بل أيضاً بقدرتها على بناء العقول وبناء العنصر البشري الفعال والمواطن الصالح من أجل بناء الأجيال الصاعدة والصادقة وخدمة الإنسان واحترام كرامته في أدق التفاصيل.

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

1
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث
  1. Ghizlane
    18 يناير، 2026 - 18:06

    إلتفاتة جد مهمة للأمن الوطني و مجهوداته الجبارة شكرا دكتور بن هنية 👏👏👏

    1 Add Comment Go Top