تُعد القضايا البيئية من أكثر المواضيع حساسية وتعقيدًا، لما لها من ارتباط مباشر بصحة المواطن، واستدامة الموارد الطبيعية، والتوازنات البيئية الدقيقة. لذلك فإن تناولها إعلاميًا يفرض حدًا أدنى من الصرامة العلمية والمنهجية التحليلية، بعيدا عن التهويل أو التوصيفات العامة غير المؤسسة.
المقال المنشور حول ما سُمي بـتهديد عصارات النفايات للمحصول الزراعي والفرشة المائية بدائرة أزرو يندرج للأسف ضمن هذا النوع من المعالجات التي تفتقر إلى الأسس العلمية الدقيقة، وتعتمد أكثر على إنشاءات لغوية وانطباعات عامة، دون الاستناد إلى معطيات موثقة أو دراسات ميدانية قابلة للتحقق.
فالحديث عن عصارات نفايات يفترض، علميًا تحديدًا دقيقًا لطبيعة هذه العصارات، ومصدرها وتركيبها الكيميائي ونسب الملوثات المحتملة بها. وهو ما لم يرد في المقال، لا من حيث نتائج تحاليل مخبرية للمياه أو التربة، ولا من حيث الإشارة إلى تقارير رسمية أو دراسات بيئية معتمدة. وفي غياب هذه المعطيات، يصبح الحديث عن “تهديد” مجرد افتراض غير مؤسس. كما أن تقييم أي خطر محتمل على الفرشة المائية يستوجب الأخذ بعين الاعتبار الخصائص الجيولوجية والهيدروجيولوجية للمنطقة، من قبيل عمق المياه الجوفية، واتجاه تدفقها، وطبيعة الطبقات الحاملة لها. وهي عناصر أساسية في أي تشخيص بيئي جاد، لكنها غائبة كليًا عن المقال، ما يضعف أطروحته من الناحية العلمية.
الأكثر من ذلك أن المقال لم يستند إلى آراء مختصين في مجالات البيئة أو الهيدرولوجيا أو الزراعة ولم يُشر إلى أي مؤسسة بحثية أو مختبر معتمد، الأمر الذي يجعله أقرب إلى سرد تخميني منه إلى تحقيق صحفي مبني على المعطيات.
إن القضايا البيئية لا تُعالج بالانطباعات ولا بالعناوين المثيرة، بل بالبيانات، والأرقام، والتحاليل العلمية، وبمقاربة مسؤولة تُوازن بين حق المواطن في المعلومة وواجب الدقة والمصداقية. أما الخوض في مواضيع معقدة بهذا الحجم دون أدوات علمية ومنطقية متقدمة، فلا يخدم البيئة ولا الرأي العام، بل يفتح الباب للتشويش والخلط وإنتاج نقاش غير سليم. وخلاصة القول إن حماية الموارد الطبيعية مسألة جدية تستحق نقاشًا رصينًا مبنيًا على العلم لا على الإنشاء، وعلى المعطى لا على التخمين، وعلى التحليل لا على الإثارة. وهذا هو التحدي الحقيقي أمام الصحافة البيئية المسؤولة.


Comments
0