بينما كانت مياه واد اللوكوس وعمليات تفريغ سد واد المخازن تزحف مهدِّدة القصر الكبير، لم يكن صانع القرار أمام ترف الاختيار ولا فسحة التردد، بل أمام واجب وطني خالص عنوانه حماية الإنسان قبل الحجر، والحياة قبل الممتلكات. في تلك اللحظة الفاصلة، لم تسأل الدولة عن كلفة القرار سياسياً أو اجتماعياً، بل سألت سؤالاً واحداً يليق بدولة تتحمل مسؤوليتها كاملة: كيف نمر من هذا الامتحان دون أن نفقد روحاً واحدة؟
لقد اختارت الدولة، بوعي سيادي وتضحية محسوبة، أن تواجه الطبيعة بمنطق الاستباق لا الانتظار، وبمنطق أسوأ الاحتمالات لا أحسن النوايا. فالسلطة في الميدان كانت تدرك أن التساهل في زمن الخطر خيانة صامتة، وأن هامش الخطأ الصغير قد يتحول إلى مأساة وطنية لا يغفرها التاريخ. لذلك فُضِّل القرار الصعب على الندم، والصرامة المؤقتة على الفاجعة الدائمة، حتى وإن ترتب عن ذلك غضب أو سوء فهم أو إحساس بالقسوة.
إن لجوء السلطات إلى الإجلاء القسري واستعمال القوة العمومية لم يكن استعراضاً للنفوذ، بل ممارسة لواجب ثقيل لا يجرؤ عليه إلا من يضع سلامة المواطنين فوق كل اعتبار. حين يتمسك البعض بمنازلهم وممتلكاتهم، تتقدم الدولة خطوة إلى الأمام، لا بصفتها خصماً، بل كدرع واقٍ يتحمل وحده عبء القرار وتبعاته، لأن الدولة التي تتراجع خوفاً من الغضب الشعبي، تفتح الطريق بصمت أمام المآتم
وهنا تتجلى أسمى معاني الوطنية: أن تتحمل الدولة السخط لتمنع الحداد، وأن تختار أن تُتَّهم بالقسوة بدل أن تُدان بالتقصير. فالرسالة كانت واضحة وحازمة: في زمن الكوارث لا تُدار الأمور بالعاطفة ولا بالتفاوض، بل بالمسؤولية والصرامة، لأن الحق في الحياة لا يُساوَم عليه ولا يُترك للحظ
ولعل ما يضاعف مشروعية هذا الاختيار هو الذاكرة الأليمة لزلزال 8 شتنبر 2023، تلك الفاجعة التي ضربت دون إنذار، وعلّمت المغاربة جميعاً أن الكارثة حين تأتي بلا سابق إشعار لا تترك مجالاً للتدارك ولا للاعتذار. اليوم، وقد سبق الإنذارُ الخطر، تصبح الوقاية واجباً وطنياً، والتقاعس خيانة مضاعفة
إن ما يجري في القصر الكبير ليس مجرد تدبير أزمة، بل درس في التضحية من أجل الوطن، حيث تختار الدولة أهون الضررين دفاعاً عن أغلى ما تملك: أرواح مواطنيها. فلتكن صرخة غضب عابرة، خيرٌ من صمت جنائزي ثقيل، ولتكن الخسائر المادية ثمناً مقبولاً، ما دام الوطن قد خرج من المحنة مرفوع الرأس، بلا دماء ولا ندم


Comments
0