شهدت جماعات مريرت والحمام وأم الربيع، على غرار جماعات أخرى عبر الوطن، سلسلة من اللقاءات التشاورية خلال الفترة الماضية. أشرف على هذه اللقاءات قياد وباشوات المنطقة، بحضور رؤساء الجماعات وممثلي المصالح الخارجية. قُدمت هذه الخطوة باعتبارها تجسيداً عملياً لمبدأ الديمقراطية التشاركية المنصوص عليه دستورياً، واستجابة للتوجيهات الوطنية الداعية إلى إشراك المواطن في بلورة القرار التنموي.

فعالية المشاركة وطيف المطالب:
عرفت اللقاءات مشاركة فاعلة من هيئات المجتمع المدني والساكنة. تم خلالها عرض عدد كبير من المطالب والمقترحات التي تلامس هموم المواطن اليومية، وتتراوح بين قضايا البنى التحتية، والتشغيل، والعقار، والبيئة، والصحة، والتعليم، والاستثمار.
السؤال الجوهري: من التشاور إلى التنفيذ… أين الحلقة المفقودة؟
التشاور آلية وليس غاية، وهو يُقاس بفعالية مخرجاته. وتكمن هذه الفعالية في:
· توثيق المخرجات بشكل رسمي.
· الإعلان عن خلاصات واضحة للرأي العام.
· تحديد أولويات قابلة للبرمجة زمنياً ومالياً.
· ربط المسؤولية بالمحاسبة في حال التعثر.
إلى حدود الساعة، لم يُعلن عن:
· تقرير رسمي يلخص نتائج الاجتماعات.
· لائحة أولويات محددة.
· أجندة زمنية للتنفيذ.
· آلية لمتابعة وتنزيل المقترحات.
مما يطرح إشكالاً مركزياً: هل كانت هذه اللقاءات بداية لمسار مؤسساتي منظم، أم مجرد محطة ظرفية انتهت بانتهاء الاجتماعات؟
سؤال التوقيت: صدفة إدارية أم تدبير مرحلي؟
لا يمكن تجاهل أن هذه اللقاءات عُقدت في فترة كانت المنطقة تستعد فيها لاستحقاقات كروية وأجواء احتفالية (رأس السنة الميلادية والأمازيغية). هذا يفتح باب التساؤل:
· هل جاء تنظيم اللقاءات في إطار رؤية استراتيجية بعيدة المدى؟
· أم كان الهدف احتواء احتقان اجتماعي محتمل وامتصاص موجة الغلاء والمطالب المتصاعدة؟
· وهل ارتبط التوقيت بسياق ظرفي أكثر منه ببرمجة مؤسساتية مدروسة؟
طرح هذه الأسئلة يندرج في إطار الرقابة المجتمعية المشروعة التي يفترض أن ترافق أي فعل عمومي.
إشكالية التواصل العمومي والفراغ المعلوماتي:
من النقاط اللافتة غياب تواصل مؤسساتي لاحق يوضح للساكنة:
· ما الذي تم قبوله من المقترحات؟
· ما الذي يحتاج إلى دراسة تقنية؟
· ما الذي تعذر تنفيذه والسبب في ذلك؟
في أدبيات الحكامة، يُعد التواصل جزءاً أساسياً من السياسة العمومية، وهو ركن دستوري يكرس مبدأ الشفافية. الفراغ المعلوماتي يولد التأويل، وفقدان الثقة.
هل نحن أمام خلل بنيوي؟
قد يكون التعثر ناتجاً عن:
· محدودية الموارد المالية للجماعات.
· تعقيد المساطر الإدارية.
· تداخل الاختصاصات بين الجماعات والمصالح الخارجية.
· غياب رؤية مندمجة على مستوى الإقليم.
غير أنه حتى في هذه الحالة، كان من الممكن الإعلان عن هذه الإكراهات بوضوح. فالإقرار بالمشاكل يعزز المصداقية، بينما الصمت يهدمها.
أثر الصمت على الثقة في المؤسسات:
الديمقراطية التشاركية ليست مجرد لقاءات أو وسيلة لتصريف الأزمات، بل هي عملية مستمرة تقوم على: الاستماع، البرمجة، التنفيذ، التقييم.
إذا لم يرَ المواطن أثراً ملموساً لمشاركته، قد يتحول التشاور من أداة لبناء الثقة إلى مصدر للإحباط. وهذا الأمر خطير، لأن فقدان الثقة في المؤسسات المحلية ينعكس سلباً على الاستقرار التنموي والاجتماعي، خاصة في ظل المعضلات اليومية التي يعاني منها المواطن، وآخرها ما كشفته الأمطار الأخيرة من هشاشة في البنى التحتية.
ما المطلوب اليوم؟ خطوات عملية مقترحة:
بدلاً من الاكتفاء بطرح التساؤلات، يمكن اقتراح خطوات عملية للخروج من دائرة الشك، منها:
1. نشر تقرير رسمي مفصل حول مخرجات اللقاءات.
2. تحديد أولويات واضحة وفق معايير موضوعية (كالإلحاحية، الكلفة، الأثر الاجتماعي).
3. وضع جدول زمني واقعي للتنفيذ.
4. إنشاء لجنة تتبع تضم ممثلين عن المجتمع المدني.
5. عقد لقاء تقييمي دوري (كل ستة أشهر مثلاً) للإعلان عن ما تم إنجازه.
شكلت اللقاءات التشاورية فرصة مهمة لإعادة بناء جسور الثقة بين الإدارة والمواطن. لكن قيمة أي مبادرة عمومية لا تُقاس بلحظة إطلاقها، بل بمدى استمراريتها ونتائجها الملموسة على الأرض.
يبقى السؤال معلقاً: هل ستتحول تلك الاجتماعات إلى لبنة أولى في مسار تنموي جاد، أم ستظل مجرد محطة تطبق المثل القائل: “كم حاجة قضيناها بتركها”؟
الإجابة ليست في الخطاب، بل في الفعل والنتائج التي ستُرى لاحقاً.


Comments
0