في لحظة يتزايد فيها الحديث عن هشاشة المجالات الجبلية وإكراهات تنميتها، يختار الباحث في الجغرافيا وإعداد التراب د. يوسف عاشي أن يقترب من الأطلس المتوسط بوصفه فضاء طبيعي عذري، وأيضا باعتباره مختبراً حياً للتحولات المجالية. وقد تُوّج هذا المسار بإصدار كتابين أكاديميين جديدين حول إقليم إفران، يتكاملان معرفياً ومنهجياً، ويضعان القارئ أمام صورة مركبة عن ديناميات المدينة والريف في مجال بني مكيلد “دائرة أزرو”.

الكتاب الأول، المعنون بـ «دينامية التمدين وإعادة تشكيل التراب بإقليم إفران: حالة مجال بني مكيلد (الأطلس المتوسط الأوسط)»، يقع في 276 صفحة موزعة على ستة فصول. يتتبع المؤلف فيه مسار التمدين بالمنطقة منذ إرهاصاته الأولى في عهد مولاي إسماعيل، وصولاً إلى المرحلة الراهنة التي تحولت فيها أزرو من قصبة تقليدية إلى مدينة جبلية متوسطة الحجم، بل إلى قطب حضري مؤثر على مستوى الأطلس المتوسط الأوسط وجهة فاس–مكناس. لا يكتفي العمل بسرد تاريخي، بل يحلل آليات إعادة تشكيل المجال، ويرصد التحولات البنيوية التي أعادت رسم أدوار المدينة داخل محيطها الجبلي.
أما الكتاب الثاني، «الديناميات المجالية وأشكال التكيف بأرياف إقليم إفران: حالة مجال بني مكيلد (الأطلس المتوسط الأوسط)»، فيمتد على 349 صفحة عبر سبعة فصول، وينقل بؤرة الاهتمام نحو الأرياف. هنا يشتغل الباحث على تفكيك أثر التحولات المجالية في البنيات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والديمغرافية والبيئية، متوقفاً عند تغير أنماط العيش وبروز أشكال جديدة للتكيف، إلى جانب صعود فاعلين جدد يعيدون تنظيم المجال القروي وفق توازنات مستجدة.

تكمن أهمية هذين العملين في كونهما لا يعالجان المدينة والريف كعالمين منفصلين، بل يدرسانهما ضمن نسق واحد متداخل؛ فالتمدين في أزرو لا يُفهم خارج تحولات محيطها القروي، كما أن ديناميات الأرياف تتأثر مباشرة بإعادة تشكيل المركز الحضري. هذا التكامل يمنح القارئ رؤية شمولية، تتجاوز المقاربات الجزئية التي كثيراً ما تطبع الدراسات المجالية.
من الناحية المنهجية، ينتمي العملان إلى حقل الجغرافيا البشرية؛ فالأول يندرج ضمن الجغرافيا الحضرية، باعتباره يعالج إشكالية المدن الجبلية في علاقتها بسياسات إعداد التراب، بينما يمثل الثاني امتداداً للجغرافيا القروية المعاصرة، إذ لا يقتصر على وصف التحولات، بل يقترح تصورات عملية لمعالجة الاختلالات. وقد اعتمد الباحث أدوات بحثية متنوعة: عمل بيبليوغرافي موسع، تحقيقات ميدانية جمعت بين الاستمارة والملاحظة والمقابلة، إضافة إلى توظيف الخرائط والرسوم البيانية والصور الفوتوغرافية لتدعيم التحليل.

اللافت أيضاً أن الخطاب الأكاديمي جاء واضحاً ومباشراً دون تفريط في الصرامة العلمية، ما يجعل العملين في متناول الباحثين والمهتمين بالشأن الترابي والثقافي على السواء. على مستوى المضمون الاستشرافي، يقدم الكتابان تشخيصاً دقيقاً لأعطاب التنمية في مجال بني مكيلد، ويطرحان بدائل عملية لتقليص التفاوتات المجالية والاجتماعية.
من بين المقترحات: اعتماد مدخل ترابي لإعادة هيكلة التقسيم الجماعي عبر إحداث جماعة جبلية، تقوية التنافسية الترابية لمدينة أزرو، إعادة توزيع المصالح الإدارية، والنهوض بالمراكز الصاعدة مثل سيدي عدي وتمحضيت وعين اللوح وسوق الحد. كما يدعو الباحث إلى تثمين الموارد المحلية، وتعبئة التراث المادي واللامادي، ودعم فلاحة مستدامة منسجمة مع النظام الرعي–الزراعي التقليدي، مع تشجيع الأنشطة غير الفلاحية وعلى رأسها السياحة الإيكولوجية.
من خلال هذين الإصدارين، يرصد د. يوسف عاشي تحولات الجبل، و يضع بين أيدي القارئ مفاتيح لفهمه وإعادة التفكير في سياسات تدبيره. إنها دعوة مفتوحة لاستكشاف الأطلس المتوسط باعتباره مجالاً نابضاً بالحركية، لا هامشاً منسياً على خريطة التنمية.


Comments
0