MarocAccessible الهوية الموسعة: نحو سيكولوجيا جديدة للإعاقة في المغرب✍️.. - m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |أخبار 24 ساعة

MarocAccessible الهوية الموسعة: نحو سيكولوجيا جديدة للإعاقة في المغرب✍️..

وردي أزرق و أبيض مرح فتيات الكشافة غلاف دفتر ملاحظات رقمي (عمودي)

في زمن تتداخل فيه البيولوجي مع التقني، وتتشابك فيه الحدود بين الجسد والآلة، لم تعد التكنولوجيا المساعدة مجرد أدوات تعويضية هامشية تقدم كإحسان أو تضامن، بل تحولت إلى امتدادات وجودية تشكل جزء لا يتجزأ من تشكيل الهوية الفردية والجماعية للأشخاص ذوي الإعاقة، ولعل الحادثة الدالة لشخص يرفض خلال مؤتمر أن يتكئ أحد معارفه كرسيه المتحرك قائلا بعبارة اختزالية عميقة: “هذا جزء من هويتي” تمثل نموذجا صارخا وواضحا الانزياح النوعي العميق في العلاقة بين الإنسان والأداة، بين الذات وامتدادها التقني، فمن خلال عدسة سيكولوجيا الإعاقة والفينومينولوجيا الوجودية، يمكننا تفكيك الأبعاد النفسية والاجتماعية لهذه العلاقة المركبة، بدءا من تشكل الهوية عبر التماهي مع الأداة، مرورا بالتحديات الهيكلية والرقمية التي تقوض هذا التماهي، وصولا إلى استشراف نموذج شامل يعيد تعريف مفهوم الإتاحة كشرط أساسي لتحقيق الذات والكرامة الإنسانية، وذلك في سياق تحول جذري من النموذج الطبي التقليدي الذي يرى الإعاقة عجزا في الجسد إلى النموذج الاجتماعي والنفسي الذي يرى في الحواجز البيئية والمجتمعية والرقمية سبباً حقيقياً للإعاقة.

تشكل التكنولوجيا المساعدة اليوماتية نسيجا معقدا وحيويا في تشكيل الهوية الفردية، حيث تتحول تدريجيا من أداة خارجية إلى جزء جوهري من الذات الموسعة، فالشخص الذي يستخدم قارئ الشاشة أو برنامج التعرف على النصوص بسبب إعاقة بصرية لا يرى في هذه التقنية مجرد برنامج حاسوبي أو أداة نفعية باردة، بل هي نظام إبستمولوجي كامل يوسع حدود إدراكه للعالم الرقمي ويمنحه القدرة على الولوج إلى المعرفة والتواصل والثقافة كأي مواطن آخر، وبالمثل… فإن نظام التواصل البديل والمعزز الذي يستخدمه شخص غير ناطق ربما بسبب اضطراب طيف التوحد أو الشلل الدماغي أو إصابة الحبل الشوكي، لا يكون مجرد لوحة رموز أو جهاز إلكتروني، بل هو جهازه الصوتي الحقيقي وهويته المعبرة وصوته الذي يخرس بدونه، وهذا الانزياح العميق من علاقة “الامتلاك” إلى علاقة “الكون” والوجود يجد تجلياته الأكثر بلاغة في حادثة الرفض لملامسة  الكرسي المتحرك، حيث يصبح الجهاز المساعد امتدادا حقيقيا للجسد والهوية والكرامة، وأي انتقاص من قيمته أو التعدي عليه أو التعامل معه كأثاث أو شيء يمكن الاتكاء عليه دون إذن يصبح انتهاكا صارخا للفضاء الشخصي والكرامة الإنسانية، وهذا التماهي الوجودي العميق يخلق ما يمكن تسميته في أدبيات سيكولوجيا الإعاقة “بالجسد الموسع” أو “الذات الممتدة” حيث تذوب الحدود التقليدية بين البيولوجي والتقني والرقمي في تشكيل هوية متكاملة ومتماسكة.

غير أن هذه العملية التماهوية المعقدة تواجه تحديات هيكلية جسيمة تعكس فجوة عميقة ومأسوية أحيانا بين الحقوق النظرية والواقع المعيش، فالإقصاء المادي يبدأ من أصغر الأشياء وأكثرها بساطة، كصعوبة الحصول على قطع الغيار الأساسية مثل “جلدات العكاز” أو الإطارات المطاطية البسيطة للكراسي المتحركة، وهي قطع قد تبدو للوهلة الأولى تافهة أو هامشية لكنها تمثل في حياة الشخص ذوي الإعاقة خط الدفاع الأول والأخير ضد الانهيار اليومي للاستقلالية والحركة والكرامة، فقد يتحول شخص من إنسان فاعل منتج في المجتمع إلى حبيس غرفته بسبب تمزق قطعة مطاطية لا تتجاوز تكلفتها بضع دراهم، وهذا الانهيار المفاجئ للشعور بالسيطرة على الذات والبيئة المحيطة يولد مستويات مرتفعة من القلق والتوتر الدائمين والإحساس بالعجز والتبعية، ويتوافق هذا مع نظرية “فعالية الذات” لألبرت باندورا التي تؤكد أن توفير أدوات موثوقة ويمكن الاعتماد عليها يعزز بشكل كبير اعتقاد الفرد في قدرته على أداء المهام والتحكم في مسار حياته، وهو أساس متين للصحة النفسية الإيجابية والرفاهية الذاتية، وهنا تتداخل المفارقة الأكثر إيلاما… ففي الوقت الذي تعيش فيه البشرية ثورة رقمية وتكنولوجية غير مسبوقة، تظل النسبة الأكبر من سكان العالم محرومة من أبسط أشكال هذه التكنولوجيا، إذ تكشف الأرقام المعلنة من طرف منظمة الصحة العالمية والتنمية في إطار حملتها الطموحة “فكر خارج الصندوق” أن في البلدان المنخفضة الدخل، لا يحصل سوى 10% فقط من الأشخاص على التكنولوجيا المساعدة التي يحتاجون إليها بشكل عاجل، في حين أن 90% منهم مبعدون عنها تماما، وحياتهم متوقفة في مجالات حيوية متعددة:: التمدرس، التنقل، العمل، والمشاركة في الحياة المجتمعية والسياسية والثقافية. هذا الرقم الصادم يعني ببساطة أن تسعة من كل عشرة أشخاص يحتاجون إلى كرسي متحرك، أو نظارات طبية، أو أجهزة سمع، أو أطراف اصطناعية، أو أجهزة رقمية مساعدة، لا يجدونها، مما يحول أبسط أحلامهم في التعلم والعمل والسفر والمشاركة إلى مستحيلات بعيدة المنال.

وهذا الإقصاء المادي الجسدي يقابله إقصاء رقمي لا يقل خطورة وفتكا، بل ربما يكون أكثر خبثا لأنه يتخفى خلف واجهات رقمية براقة وجذابة، إذ كشف تحقيق استقصائي مؤثر أجرته مؤخرا قناة يورونيوز عن واقع مثير للقلق… العديد من أشهر مواقع السفر حول العالم مثل Booking وAirbnb وغيرها لا تلبي معايير الوصول الرقمي الأساسية، مما يجعل التخطيط للسفر عبر الإنترنت صعبا بل مستحيلا عمليا بالنسبة للأشخاص ذوي الإعاقة، في غياب معلومات ذات مصداقية عن مدى إتاحة الفنادق والمطاعم ووسائل النقل، وكذلك في غياب معايير واضحة للوصول إلى المحتوى الرقمي والتفاعل معه بسهولة ويسر، فالشخص الكفيف الذي يعتمد على قارئات الشاشة، أو الشخص ذوي الإعاقة الحركية الذي يحتاج إلى التنقل باستخدام لوحة المفاتيح فقط، أو الشخص ذو الإعاقة السمعية الذي يحتاج إلى ترجمة نصية للمحتوى الصوتي والمرئي، كل هؤلاء يجدون أنفسهم أمام جدار رقمي صلب يحول حلم السفر والترحال والاستكشاف إلى مصدر دائم للإحباط والإحساس بالتمييز والإقصاء، وهذا الاستبعاد الرقمي ليس مجرد مشكلة تقنية سطحية يمكن تجاوزها، بل هو رسالة نفسية عميقة ومدمرة مفادها “أنت غير مرغوب فيك، أنت لست ضمن عملائنا المستهدفين، أنت مواطن من الدرجة الثانية في العالم الرقمي” وهذه الرسالة تتسبب في تدمير الشعور بالانتماء وتحويل الطموحات الطبيعية المشروعة كالسفر والسياحة والتعلم عن بعد والعمل الحر إلى أحلام مستحيلة أو شبه مستحيلة، مما يعمق المشاعر السلبية كالاغتراب والوحدة وانخفاض تقدير الذات وفقدان المعنى.

غير أنه في خضم هذا المشهد المليء بالتحديات والعقبات، تبرق بوادر أمل حقيقية من بلدنا المغرب، حيث بدأت تتشكل مبادرات مدنية جادة وطموحة تسعى إلى تحويل هذه الحقوق النظرية إلى واقع ملموس ومعاش، ولعل من أبرز هذه البشائر الإيجابية ما تعيشه منصة MarocAccessible اليوم من استعدادات جادة وممنهجة للانطلاق الرسمي في توجهها الجديد، وهو مولود مغربي واعد يديره بكفاءة واقتدار السيد عبدالفتاح هداني، ويعمل تحت لوائه فريق متخصص من سفراء المنصة الذين يحملون القضية من داخلها ويدافعون عنها بفكر علمي وحماس شبابي لا يلين، وذلك إيمانا راسخا بأن مشعل التغيير الحقيقي لا يحمله إلا أولئك الذين يعيشون القضية من صميم وجودهم اليومي، أولئك الذين يعرفون بؤر الألم وأماكن الأمل بفعل المعايشة المباشرة لا عبر الأرقام والتقارير الباردة، وقد أسندت إلى السفير سعيد موزك مهمة نوعية وحساسة تتمثل في التكفل بفئات المؤسسات الثقافية والفنية والتظاهرات على الصعيد الوطني، وهي مسؤولية تضع الثقافة والفن في قلب مشروع المجتمع الدامج، وتجسد بامتياز ما تنص عليه المادة 30 من الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة التي تؤكد على حق هذه الفئة في المشاركة في الحياة الثقافية على قدم المساواة مع الآخرين، وهذا الاختيار الذكي ليس محض صدفة، بل هو ترجمة فعلية لرؤية استراتيجية تدرك أن الثقافة والفن ليسا ترفا ذهنيا أو كماليات اجتماعية، بل هما مختبران وجوديان لإعادة تعريف العلاقة مع الاختلاف، وهما فضاءان رمزيان حيث يمكن للهويات الموسعة والذوات الممتدة أن تظهر بكامل حضورها وجمالها وتعقيدها، وتحت شعارات طموحة ومعبرة مثل الثقافة للجميع والفن والولوجيات الآن و الشمولية وMaroc Vers un Accès plus inclusif، تسعى المنصة وفريق سفرائها إلى جعل الإعلام رافعة قوية للمناصرة وتثمين الجهود المبذولة، وإلى ترجمة النظريات الأكاديمية والنصوص القانونية إلى خطوات عملية ملموسة في أرض الواقع المغربي.

إن التقارير والتحقيقات المذكورة عن الإقصاء الرقمي هي بمثابة جرس إنذار وناقوس خطر لا يقتصر على الدول الغربية المتقدمة بل يمتد ليشمل بلدنا المغرب الذي أصبح ينافس كبريات المدن العالمية ذات الجذب السياحي، فإذا كنا جادين بصدق حول إنشاء نظام سياحي وثقافي وفني عادل ودامج وشامل يراعي احتياجات الجميع، فلا بد أن يصبح الوصول الرقمي والمادي معا أولوية قصوى، وأن تلتزم المؤسسات الخدمية والفنادق والمطاعم وقاعات العروض والمسارح والمتاحف وشركات الطيران ومنصات السفر بمعايير الوصول العالمية، ليس فقط امتثالا للقوانين ولكن إيمانا راسخا بأن الثقافة والفن حق للجميع، وأن الترفيه والمشاركة المجتمعية حاجة إنسانية أساسية كالأكل والشرب والتعليم. إن تحسين فرص الحصول على التعليم الدامج، والعمل اللائق، والتنقل الآمن، والخدمات الرقمية المتاحة، والمؤسسات الثقافية والفنية المهيأة، هو أمر ضروري وحتمي للحد من التفاوتات الصارخة وفتح عالم جديد لا يمنع فيه أي إنسان من كسب لقمة العيش أو الذهاب إلى المدرسة أو ارتياد المسرح أو حضور مهرجان أو تكوين أسرة أو المشاركة في الحياة الثقافية أو مجرد عيش حياة مرضية وكريمة.

وهنا تبرز الحاجة الملحة إلى اقتراح نموذج شامل يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والبيئة والتكنولوجيا والثقافة، وذلك على مستويين متوازيين ومتكاملين… الأول… المستوى المادي والتقني الذي يتطلب تشجيع التصنيع المحلي للأجهزة المساعدة وقطع غيارها بجودة عالية وأسعار معقولة، وإلزام المؤسسات الحكومية والخاصة بالتصميم الشامل الذي يفيد الجميع بما في ذلك ذوي الإعاقات الحسية والحركية والإدراكية، وتوسيع نطاق التكنولوجيا المساعدة لتشمل الأطراف الاصطناعية الذكية، وتطبيقات التواصل البديل والمعزز للأشخاص غير الناطقين، وأنظمة التحكم في البيئة عن طريق الصوت أو النظرة أو حركة الرأس، وأيضا تهيئة المتاحف والمسارح وقاعات السينما والمكتبات بما يسمح بدخول الجميع وتفاعل الجميع مع المحتوى الثقافي والفني، والثاني… المستوى النفسي الاجتماعي الذي يهدف إلى تعزيز الهوية والكرامة من خلال الانتقال من النظرة الشفقة أو العلاجية للأداة المساعدة إلى اعتبارها جزء لا يتجزأ من شخصية المستخدم وهوياته المتعددة، وتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة من خلال إشراكهم المباشر في تصميم السياسات والخدمات والتكنولوجيا الموجهة لهم تحت شعار “لا شيء عنا بدوننا” وهو ما تجسده بشكل رائع تجربة منصة MarocAccessible وفريق سفرائها الذي يقوده شباب حامل للقضية بامتياز، وتقديم الدعم النفسي المتخصص للتكيف مع الإعاقة وخاصة المفاجئة منها، وكيفية توظيف التكنولوجيا المساعدة كأداة للاندماج والتمكين لا كوصمة عار أو مصدر إحراج.

صفوة الكلام الخلاصة العميقة التي نخرج بها أن الوصول إلى التكنولوجيا المساعدة ليس كرما ولا إحسانا، بل هو حق أساسي من حقوق الإنسان، يرتبط ارتباطا وثيقا بضمان حصول الجميع على التعليم الجيد، وكسب عيش كريم، والمشاركة في الحياة الثقافية والفنية، والحد من الفقر المدقع وعدم المساواة، وتحقيق أهداف التنمية المستدامة، فبدون الوصول إلى التكنولوجيا المساعدة المناسبة وبأسعار معقولة، لن يتمكن أكثر من 90% من الأشخاص ذوي الإعاقة في البلدان المنخفضة الدخل من تلبية احتياجاتهم الإنسانية الأساسية، وهذا يعني ببساطة أن مجتمعاتنا تخسر طاقات هائلة وإبداعات كامنة وعقولا مبدعة لم تمنح الفرصة أبدا لأن تضيء العالم بمواهبها، وفي المغرب اليوم، مع انطلاق منصة MarocAccessible في توجهها الجديد، ومع تعيين سفراء  الذين يحملون القضية من داخلها ويشتغلون بكفاءة وحماس وبحث علمي مستمر لتجويد الخدمات المقدمة للفئات ذات الإعاقة، فإننا نلمس بدايات أمل حقيقي وأرضية صلبة يمكن البناء عليها، ونحن نتابع باهتمام بالغ هذه الدينامية الجديدة التي تجعل من الإعلام رافعة للمناصرة وتثمين الجهود 

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث