Reflections on Smoking and Willpower: A Conversation with a Philosopher Friend
جلستُ إلى فيلسوفٍ عُرف بين أصدقائه بشراهته في التدخين، وكان حديثنا منصبًّا على طبيعة هذه العادة التي التصقت به سنوات طويلة. قلت له إن بعض علماء الاجتماع وعلماء التربية يؤكدون أن التدخين سلوك مكتسب، يبدأ غالبًا بنزوة صِبا أو بمحاولة تقليد الأقران، ثم يتحول مع الزمن إلى عادة راسخة تُدمج في تفاصيل الحياة اليومية. لم يولد أحدٌ وفي يده سيجارة، وإنما يكتسبها كما يكتسب أنماطًا أخرى من السلوك.
كان الفيلسوف ينصت بعمق، وهو يدرك أن المسألة لا تتعلق بخياره الشخصي وحده. فالتدخين، كما يراه علماء السلوك والتربية، لا يضر بصاحبه فحسب، بل يمتد أثره إلى محيطه الأسري والاجتماعي، فيؤثر في صحة من حوله، ويُسهم في تلويث الهواء وإفساد نقائه. إن الدخان لا يبقى حبيس رئة المدخن، بل يتعداها إلى كل من يشاركه المكان.
ثم انتقل الحديث إلى الصيام، بوصفه ظرفية استثنائية في حياة الإنسان. فالصيام لا يعني الامتناع عن الطعام والشراب فقط، بل هو تدريب يومي على ضبط الرغبات وكسر رتابة العادات. إنه فرصة عملية لإعادة النظر في أنماط المأكل والمشرب، وفي جملة السلوكيات المرتبطة بروتين الحياة. ومن بين أبرز العادات المضرة التي يمكن التخلص منها في هذا الشهر الكريم هي عادة التدخين.
ذكّرتُه بأن الأطباء يحذرون صراحة من أضرار التدخين، وأن علب السجائر نفسها تنبه إلى مخاطره، ليس على المدخن وحده، بل حتى على الجنين في بطن أمه، فضلًا عن كونه سببًا مباشرًا لأمراض الجهاز التنفسي والأمراض الفتاكة المرتبطة به، ناهيك عن أضراره البيئية. ومع ذلك، فإن كثيرًا من المدخنين يرون أن الإقلاع ليس بالأمر الهين، بل هو عملية معقدة ومرهقة تتطلب مجاهدة مستمرة. غير أن تجارب من نجحوا في التخلص من هذه العادة تشير إلى أن التدخين – كسائر العادات السلبية يمكن الإقلاع عنه متى توفرت الإرادة الصادقة والنية الحاسمة. فالصيام يهيئ فرصة زمنية حقيقية للانقطاع اليومي عن التدخين، ويمنح الإنسان فسحة للتأمل في سلوكه، وإعادة ترتيب أولوياته الصحية والأخلاقية. ويبقى السؤال الفلسفي قائمًا: لماذا يبدو الإقلاع عن التدخين صعبًا إلى هذا الحد؟ أهو ضعف في الإرادة، أم قوة في الاعتياد، أم خوف من فقدان ما اعتدناه من طقوس يومية؟ وهل يمكن أن يكون هذا الشهر الكريم ظرفية مناسبة فعلًا لاتخاذ قرار جذري بالتخلي عن هذه العادة، حتى لو لم يرق ذلك لشركات التبغ؟ إنها أسئلة تستحق التأمل، لأن الصيام – في جوهره – ليس مجرد امتناع، بل مدرسة لإعادة تشكيل السلوك، واختبار حقيقي لقدرة الإنسان على التحرر من عاداته حين يعزم على ذلك بصدق وجدية.
لماذا يجب الإقلاع عن التدخين؟:
قلت لصاحبي الفيلسوف، وهو يحملق في نجوم السماء بتمعن: ربما يمكن الجزم أنه ما من أحد إلا له علم بالمخاطر الصحية للتدخين وما يخلفه من أمراض وأضرار جسيمة على صحة الفرد، وتوتر وغير ذلك، لكن هذا لا يجعل التخلص من هذه العادة من أسهل الأشياء، بل ربما هي أمر عصيب للغاية في بعض الحالات. فسواء كنت مدخنًا بين الحين والآخر أو مدخنًا يوميًا، فقد يكون الإقلاع عن التدخين أمرًا صعبًا حقاًّ إذ يرى الباحثون في هذا الموضوع بأن تدخين التبغ هو في حقيقة الأمر إدمان جسدي وعادات نفسية قد يطول أمدها، بفعل النيكوتين من السجائر الذي يخلف ترسبات غالباً ما تتسبب أو تخلف إدمانًا ملحوظاً. أما القضاء على هذا التراكم المنتظم للنيكوتين فيجعل جسمك يعاني من أعراض كثيرة مثل ضعف التنفس والضعف الجسدي والبصري والرغبة الشديدة في تدخين كمية أكثر من السجائر. ونظرًا لتأثير النيكوتين الدافع إلى ما يسمى بــــــــ”الشعور بالرضا”، أو “إشباع الرغبة”، فإن مدى تأثير ذلك على الدماغ يبدو جلياًّ، إذ غالباً ما يُسرع المرء إلى اللجوء إلى السجائر كوسيلة سريعة وموثوقة بالنسبة له كلما ضاقت به السبل أو تراكمت عليه المشاكل، لتعزيز السلوك الاعتيادي، وإشباع تلك الرغبة الشخصية وتخفيف التوتر، أو الاسترخاء. ويعتقد البعض أن من أسباب الاقدام على عادة التدخين بشكل يومي يمكن أن يكون أيضاً الاعتقاد بأنه الأسلوب المخلّص أو الطريقة السهلة المُثلى للتعامل مع الاكتئاب والقلق والتخلص من المشاكل والهروب من الواقع أو حتى محاولة الخروج من الملل! وفي حقيقة الأمر، فإن الإقلاع عن التدخين يعني إيجاد طرق بديلة ومختلفة وصحية للتعامل مع تلك المشاعر، عوض اللجوء إلى التدخين والتسبب في المزيد من الأضرار بالنسبة للجسد والعقل. لذلك وجب الاقلاع عن التدخين لأنه ليس بالخيار السليم للشعور بالنشوة والسعادة اللتين يمكن تغذيتها وتعزيزهما بكل بساطة من خلال الروافد الروحية والدينية، وهي بدون شك الحلول المجربة والأنجح لتحقيق ذلك، أضف إلى ذلك محاولة الالتحاق بإحدى النوادي الرياضية، أو الاستمتاع بالمشاركة في إحدى الرياضات الفردية أو الجماعية.
أحسست أن صديقي الفيلسوف قد بدأ فعلاً في استيعاب مخاطر الموضوع، فقررت بأن نتجاذب الحديث من منظور مختلف على ما اعتاد عليه ونتطرق إلى هذه الظاهرة من منظور التربية والسلوك، لعله يستسيغ ذلك ويبدأ في التفكير في الإقلاع عن هذه العادة السيئة.
ظاهرة التدخين من منظور علماء التربية والسلوك:
قياساً إلى ما ذهب إليه بعض علماء النفس وكذلك بعض علماء التربية والسلوك، فإن ظاهرة التدخين يُنظر إليها على أنها عادة مُكتسَبة مثلها مثل باقي المعارف، وبالتالي يرى البعض من هؤلاء بأن التدخين “سلوك” سلبي يمكن التخلص منه؛ ومن هؤلاء العلماء يمكن أن نذكر على سبيل المثال لا الحصر: جون ديوي (John Dewey) ودوسوسير (Ferdinand de Saussure) ومونتيسوري (Maria Montessori) وإدوارد تورندايك (Edward Thorndike) وكذلك جون وتسون (John B. Watson) و ب. ف. سكينر (B.F. Skinner) وغيرهم. يرى جل هؤلاء على أن الفرد أو العنصر البشري بإمكانه تعلم بعض المعارف من خلال تجربة السلوك أو مشاهدته، وبالمثل فإنه بإمكانه التخلص من سلوك سلبي معين أو عادة سيئة يكون قد اكتسبها. كما أن ب.ف سكينر، ومن خلال نظريته التطبيقية المشهورة “تكييف العامل” (Operant Conditioning) ، قد ركز على أن بإمكان الفرد التخلص من السلوك الغير صحيح أو السلبي وبشكل دائم. هذا يعني تغيير السلوك تقريبًا باستخدام “التعزيز” الذي يتم تقديمه بعد الاستجابة المطلوبة. وللإشارة فإن نظرية سكينر للتكييف الفعال تلك، كانت قد استندت على عمل إدوارد ثورنديك (1905) الذي بين فيه ودرس طريقة التعلم لدى الحيوانات باستخدام “صندوق ألغاز” لاقتراح النظرية المعروفة باسم “قانون التأثير”. كما يُعتبر سكينر الأب الروحي لنظرية “تكييف العامل”، لكن عمله في هذا المسار كما قلنا قد استند إلى قانون تأثير ثورنديك بشكل ملحوظ. بالإضافة إلى ذلك، فقد أدخل سكينر مصطلحًا جديدًا في قانون التأثير ألا وهو “التعزيز”(Reenforcement)، إذ أن، حسب قوله، غالباً ما يميل السلوك المعزز إلى التكرار، أي التكرار المعزز ( Reenforced repetition)؛ وفي المقابل، يميل السلوك الذي لا يتم تعزيزه إلى الاندثار أو الانقراض، أي أنه يبدأ يضعف إلى أن يختفي.
ومن خلال نظرية” التكييف الفعال” والتي أخرجها سكينر للوجود سنة (1948)، درس هذا الأخير قضية اكتساب السلوك من خلال إجراء التجارب باستخدام الحيوانات (الفأران) التي وضعها في “صندوق سكينر” الذي كان مشابهًا لصندوق ألغاز لثورنديك، وجاءت نظريته بثلاثة معطيات مهمة فيما يخص السلوك الناجم عن الاستجابة وهي:
– العوامل المحايدة (Neutral operants): وهي الاستجابات من البيئة التي لا تزيد أو تقلل من احتمالية تكرار السلوك.
– المعززات (Reinforcers): وهي الاستجابات من البيئة التي تزيد من احتمال تكرار السلوك. ويمكن أن تكون التعزيزات إما إيجابية أو سلبية.
– المعاقبون (Punishers): وهي الاستجابة من البيئة التي تقلل من احتمالية تكرار السلوك، بالتالي فإن العقوبة تضعف السلوك.
حدد سكينر إذاً ثلاثة أنواع من الاستجابات (المذكورة أعلاه) أو العامل الذي يمكن أن يتبع السلوك. وفي الحقيقة فقد كانت وجهات نظر سكينر أقل تطرفًا قليلاً من آراء واتسون، كما يعتقد سكينر أن لدينا شيئًا مثل العقل يتحكم في تلك الأنواع من الاستجابة، ولكنه ببساطة قد يكون أكثر إنتاجية لدراسة السلوك الملحوظ بدلاً من الأحداث العقلية الباطنية، لذلك يعتقد سكينر أن أفضل طريقة لفهم السلوك هي النظر في أسباب الفعل وعواقبه.) عن McLeod, S. A. (2007) Skinner – Operant Conditioning بتصرف(.
وصفة مختصرة للتخلص من ظاهرة التدخين:
كثيرا ما نجد بأن التدخين قد أضحى متأصلا في سلوك بعض الأفراد بما فيهم كبار السن والشباب أيضًا كطقوس يومية تلاحقهم في كل لحظة وفي أي مكان. ومن المؤسف جدا أن يعتقد البعض أن ازدواجية السلوك قد تكون استجابة تلقائية بحيث يعتقد الشخص مثلا أن شرب قهوة الصباح لابد أن يكون مقروناً بتدخين سيجارة، وهذا طبعاً ما هو إلا وهم وهراء وتصور غير صحيح، كما يعتقد البعض جزافاً بأن من أسباب جلب الطمأنينة وراحة البال، هو تناول سيجارة سواء أثناء أخذ قسط من الراحة في العمل أو في المنزل في نهاية يوم حافل بالأشغال أو غير ذلك، وخلافاً لذلك فربنا جلّ وعلا يفند ذلك ويقول “ألا بذكر الله تطمئن القلوب” (صدق الله العظيم). أو ربما يدخن البعض لمجرد إرضاء أصدقائه أو بعض أفراد عائلته أو زملائه ولذلك فقد أصبحت السيجارة جزءًا من طريقة التواصل معهم.
ومن ناحية أخرى، يرى بعض الباحثين أنه من أجل الإقلاع عن التدخين بنجاح، سيحتاج المرء إلى معالجة كل من الإدمان والعادات والروتينيات التي تتماشى مع ذلك السلوك وتحيط بظروفه. ولكن يمكن القول بأن ذلك فعلا غير مستحيل، وبإمكان أي إنسان مدخن القيام به، شريطة أن يجد الدعم المباشر المستديم ممن هم من حوله وفي الوقت المناسب أيضاً، مع ضرورة وضع خطة للإقلاع عن التدخين. ويرى بعض الباحثين كذلك أنه يمكن لأي مدخن أن يقول وداعاً للإدمان ما دام أنه قام بوضع خطة للإقلاع عن التدخين تتسم بالجدية والصرامة، حتى لو حاول وفشل عدة مرات من قبل. وفي الفقرة الموالية، سوف نسرد بعض المؤشرات التي قد تساعدك على وضع وبلورة خطة من أجل ذلك.
تخلص من جميع السجائر والولاعات ومنفضة السجائر وعود الثقاب. اغسل ملابسك ورشهم برائحة زكية أخرى كي تبعد أي شيء يشبه رائحة الدخان. اغسل سيارتك بالشامبو ونظف الستائر والسجاد وقم بتبخير الأثاث، واقبل بوجهك على الله، وواظب على قراءة القرآن، وخاصة في هذا الشهر الفضيل.
(عن ”دليل المساعدة في الاقلاع عن التدخين” (How to Quit Smoking) بتصرف.(
خلاصة:
قد يطول بنا المقام مع صديقي الفيلسوف في الحديث عن قضية الادمان على التدخين وكذلك قضية الاقلاع عن التدخين وذلك لما للموضوعين من أهمية خاصة في مثل هذه الظروف، ولكن يمكننا القول بأن على المدخنين، بما فيهم الفيلسوف هذا، والمدخنات أيضاً استغلال هذه الظرفية الخاصة، أي فترة شهر رمضان الكريم لأنه يشكل فعلاً فرصة سانحة نادرة لاتخاذ القرار وبكل عزيمة وجرأة للإقلاع عن هذه العادة الفتاكة التي أودت بالعديد من الأرواح، ولازالت تحصد الكثير. وقد أبان تفشي وباء “كرونا” قبل سنوات على أن المدخنين هم من كانوا أكثر الناس معاناة خاصة وأن ذلك المرض كان يصيب جهاز التنفس أولا وقبل كل شيء، فما بالك إذا كانت شرايين الرئتين قد امتلأت بالنيكوتين! ولذلك، فحري بهؤلاء المدخنين والمدخنات أن يمتنعوا عن التدخين وهم ربما في أماكن قد تكون أحيانا ضيقة، فيؤدون أنفسهم وكل من حولهم. وهاهم علماء التربية والسلوك يؤكدن بأن التدخين ما هو إلا عادة مكتسبة سلبية مضرة يمكن التخلص منها كباقي أنواع السلوك السلبي.
أيها الآباء وأيتها الأمهات وأيها الإخوة والأخوات أنتم المربون سواء في البيت أو المدرسة أو الشارع، وأنتم قدوة للصغار، فكونوا قدوة حسنة تـأمرن بما ينفع الناس، وتنهون عن كل العادات السيئة.
لقد أودع الله تعالى في هذا الإنسان نفساً وأوصاه بأن يزكيها، وأمره بأن لا يلقي بنفسه إلى التهلكة، وما السجائر إلا باباً من أبواب التهلكة، تضعف مناعة الجسد وتنهك قواه تدريجياً وتتلف الخلايا وتعكر صفاء الجو والمكان، لذلك وجب على كل مدخن أن يفكر في الاقلاع عن هذه العادة المضرة، وأن لا يأجل ذلك إلى الغد أو إلى المستقبل البعيد، لأن الأمة أو الوطن في حاجة ماسة إلى الفرد الصالح والمواطن القوي السليم، فكن أخي المواطن وأختي المواطنة كحامل المسك لا كنافخ الكير، وإن كنت لا تدخن فانصح من هم حولك من المدخنين أو المدخنات، فالدال على الخير كفاعله. وعلى الطلاب والطالبات أن يكونوا قدوة لغيرهم، وأن يتجنبوا هذه الآفة والعادة الخطيرة التي لا تتماشى مع الفطرة في مَواطِن ومواقف شتى، ومع طلب العلم لأن العلم نور رباني نقي يحتاج إلى عقل سليم في جسم سليم.
سائلين الله سبحانه وتعالى أن يحفظ الجميع وأن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال،،،،
والله ولي التوفيق،،،
*باحث في مجال
التربية والتعليم والثقافة


Comments
0