التفاهة الإعلامية والضرب في الهوية إلى أين نسير؟ - m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |أخبار 24 ساعة

التفاهة الإعلامية والضرب في الهوية إلى أين نسير؟

IMG-20260224-WA0005

تحوّل جزء من الإعلام المرئي إلى مساحة للسطحية عوض أن يكون منبرًا للوعي. بعض القنوات، على شاشات التلفزيون أو عبر المنصات الرقمية، تراهن على الإثارة السهلة والبرامج الخفيفة الخالية من العمق، في وقت يرزح فيه المواطن تحت ضغط الغلاء، وضعف الخدمات الصحية، وصعوبات التعليم، والبطالة.

كيف وصلنا إلى هذا المستوى من الطرح؟

كيف أصبح الضحك المصطنع، والجدل الفارغ، والمشاهد المثيرة بلا مضمون، مادة أساسية تُقدَّم للمشاهد، بينما تُهمَّش قضايا تمس حياة الناس بشكل مباشر؟

الإعلام سلطة رمزية تؤثر في تشكيل الوعي الجماعي، وتساهم في بناء الهوية الثقافية والقيم الاجتماعية. عندما تتحول بعض القنوات إلى منصات لتكريس التفاهة، فإنها تضعف الذوق العام وتُربك الحس النقدي لدى الجمهور، خصوصًا فئة الشباب. ويزداد الخطر حين تُمرَّر رسائل تفرغ الهوية من معناها، وتقدّم نماذج سلوكية غريبة عن السياق الثقافي والاجتماعي، حتى يصبح التشويش القيمي أمرًا مألوفًا.

الهوية منظومة متكاملة من اللغة والتاريخ والرموز والذاكرة المشتركة. تقديمها في صورة سطحية أو مشوهة يترك أثرًا عميقًا في الوعي الجمعي. التطور مطلوب، والانفتاح ضروري، غير أن الحفاظ على الخصوصية الثقافية مسؤولية لا يمكن التفريط فيها.

لماذا لا تُخصَّص مساحات أوسع لمعاناة المرضى في المستشفيات العمومية؟

لماذا لا يتم فتح ملفات غلاء الأسعار وتأثيره على الأسر محدودة الدخل بجرأة وعمق؟

لماذا تغيب النقاشات الجادة حول التعليم والهدر المدرسي والبطالة وفرص الشباب؟

ثم سؤال آخر يفرض نفسه بقوة:

لماذا لا تُستمد الأعمال التلفزيونية من روايات وكتب ذات قيمة فكرية وأدبية؟

لدينا إنتاج روائي غني، وأقلام تعكس نبض المجتمع، وتجارب إنسانية صادقة تستحق أن تتحول إلى أعمال درامية راقية. الدراما قادرة على نقل الفكر، وتجسيد الصراع الاجتماعي، وطرح أسئلة الهوية والانتماء والعدالة بطريقة مؤثرة تصل إلى مختلف الفئات.

كم من رواية تناولت الفقر، والهامش، والصراع النفسي، والكرامة الإنسانية، ويمكن أن تتحول إلى مسلسل يلامس وجدان الناس؟

كم من كتاب عالج قضايا المرأة، والطفولة، والهجرة، والبطالة، ويستحق أن يرى النور على الشاشة بدل الاكتفاء بقصص مستهلكة مكررة؟

الحديث عن معاناة الناس ينبغي أن ينطلق من قلب المجتمع.

من الأحياء الشعبية،

من القرى البعيدة،

من البيوت التي تكافح بصمت،

من الشباب الذين يحملون شهادات ويصطدمون بواقع مغلق،

من أسر تحسب كل درهم كي توازن بين الكراء والغذاء والدواء.

هذه القصص تعكس الحقيقة اليومية، وتمثل مادة غنية لأي عمل إعلامي مسؤول. تجاهلها يخلق فجوة بين الشاشة والشارع، بين الخطاب الإعلامي وواقع المواطن.

البرامج الخفيفة لها مكانها، والابتسامة حاجة إنسانية، غير أن اختلال التوازن وتحويل الشاشة إلى فضاء يغلب عليه الضجيج يضعف الرسالة الإعلامية ويُفرغها من دورها التنويري.

مسؤولية التغيير مشتركة. القنوات تتحمل جزءًا كبيرًا بحكم قدرتها على الاختيار والتوجيه، والجمهور يملك قوة التأثير عبر ما يتابعه ويدعمه. ما يحظى بالمشاهدة المرتفعة يتكرر إنتاجه، وما يُهمَل يتراجع حضوره.

المجتمع يحتاج إلى إعلام يرفع مستوى النقاش، يعزز الانتماء، ويقترب من هموم الناس بصدق وشجاعة. شاشة تحترم عقل المشاهد، وتنقل معاناته، وتفتح ملفات حقيقية، وتستثمر في الأدب والفكر لصناعة دراما راقية ذات أثر.

ويبقى السؤال مطروحًا بإلحاح:

أي صورة نريد أن تعكسها شاشاتنا عن مجتمعنا؟

صورة عمق ووعي ومسؤولية، أم صورة سطحية عابرة بلا أثر؟

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث