في الوقت الذي تتحدث فيه المؤسسات الرسمية عن دعم الإبداع وحماية الملكية الفكرية، يطرح واقع بعض الفنانين سؤالاً حقيقياً حول مدى عدالة منظومة تدبير الحقوق الفنية في المغرب. فحين يتقاضى موزع موسيقي مبلغًا لا يتجاوز 500 درهم كل أربعة أشهر، أي ما يعادل 1500 درهم سنوياً، فإن الأمر لا يبدو مجرد خلل إداري بسيط، بل يتحول إلى إشكال ثقافي ومهني يمس قيمة العمل الفني ذاته.
هذه المفارقة تضع منظومة تدبير الحقوق المجاورة تحت المجهر، خصوصاً تلك المرتبطة بمؤسسة المكتب المغربي لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، التي يفترض أن تضطلع بمهمة حماية حقوق المبدعين وضمان توزيع عادل للعائدات الناتجة عن استغلال أعمالهم الفنية.
المشكل لا يكمن فقط في ضعف المبلغ، بل في الرسالة الرمزية التي يحملها. فالموزع الموسيقي ليس مجرد عنصر ثانوي في العمل الفني، بل هو أحد الأعمدة الأساسية في صناعة الأغنية الحديثة. إذ يتحمل مسؤولية البناء الموسيقي الكامل للعمل، من التوزيع والهندسة الصوتية إلى خلق الهوية السمعية التي تمنح الأغنية روحها الخاصة.
فكيف يمكن، في ظل هذا الواقع، أن يتقاضى بعض الفنانين عشرات الآلاف من الدراهم مقابل عمل فني واحد، بينما يحصل الموزع الموسيقي على مبلغ لا يتجاوز 500 درهم كل أربعة أشهر؟ هل يتعلق الأمر بخلل في نظام التوزيع؟ أم بضعف في الاعتراف المؤسسي بالدور الحقيقي الذي يلعبه الموزع داخل الصناعة الموسيقية؟
إن هذه الأرقام، إن كانت دقيقة، تعكس خللاً عميقاً في منظومة تدبير الحقوق، وتطرح تساؤلات مشروعة حول معايير احتساب العائدات الفنية، وحول الشفافية التي ينبغي أن تحكم عملية توزيعها بين مختلف المتدخلين في الإنتاج الموسيقي.
كما أن هذه القضية تفتح نقاشاً أوسع حول موقع الفنان التقني داخل الصناعة الثقافية. فالموزع الموسيقي، إلى جانب الملحن وكاتب الكلمات، يشكل جزءاً من المنظومة الإبداعية التي تقوم عليها الأغنية. غير أن الاعتراف القانوني والمالي بهذا الدور لا يزال، في نظر كثير من المهنيين، دون المستوى المطلوب.
الأمر لا يتعلق فقط بأرقام مالية، بل بمسألة كرامة مهنية واحترام للعمل الفني. فالثقافة لا يمكن أن تزدهر في بيئة يشعر فيها جزء من المبدعين بالتهميش أو بعدم التقدير.
اليوم، يبدو أن الحاجة أصبحت ملحة لفتح نقاش وطني جدي حول كيفية تدبير الحقوق الفنية في المغرب، بما يضمن العدالة والشفافية بين جميع الفاعلين في المجال الموسيقي. فالفن ليس مجرد منتج ترفيهي، بل هو جزء من الهوية الثقافية للمجتمع، ومنظومة الحقوق المرتبطة به يجب أن تعكس هذه القيمة.
ويبقى السؤال مطروحاً: هل ما يحدث مجرد خلل تقني في توزيع العائدات، أم أننا أمام أزمة أعمق في فهم قيمة العمل الفني داخل المؤسسات المكلفة بحمايته؟


Comments
0