الجزيرة بعينين: عندما تظهر الحرب على إيران بوجهين متناقضين - m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |أخبار 24 ساعة

الجزيرة بعينين: عندما تظهر الحرب على إيران بوجهين متناقضين

Screenshot_20260322_135742_com_openai_chatgpt_MainActivity

تحليل معمق للازدواجية في خطاب القناة بين النسختين العربية والإنجليزية

قبل أيام، وبينما كانت الضربات الأمريكية تتواصل على مواقع إيرانية، انقسمت شاشة الجزيرة إلى نصفين. لا، ليس تقنياً، بل سياسياً وتحريفياً. فالمشاهد الذي تابع التغطية عبر الجزيرة العربية رأى مشاهد “صمود إيراني” و”فشل الضربات الأمريكية”، بينما من تابع الجزيرة الإنجليزية وجد تقارير تركز على “دقة الاستهدافات الأمريكية” و”تفوق القوات الأميركية”. كل قناة تظهر منتصراً مختلفاً، وكأن الحرب ليست واحدة بل حربان متوازيتان.

هذه الحادثة ليست استثناء، بل تكشف عن نمط ثابت في عمل شبكة الجزيرة القطرية: ازدواجية في الخطاب تصل حد التناقض، حسب لغة التغطية والجمهور المستهدف. فما حقيقة هذا الانقسام؟ ولماذا تتبنى الدوحة استراتيجية “الجزيرتين”؟

  1. كل جمهور وروايته

عندما اندلعت المواجهة الأخيرة بين واشنطن وطهران، كانت الجزيرة العربية مشغولة بنقل تصريحات المرشد الإيراني والقادة العسكريين، مع تركيز على “تلقين أمريكا درساً” و”فشل المشروع الأمريكي”. أما الجزيرة الإنجليزية، فكانت تنقل تصريحات البنتاغون وتحليلات خبراء غربيين يرون أن الضربات حققت أهدافها.

هذا الانقسام لم يمر مرور الكرام. فمتابعو الشأن الإعلامي لاحظوا أن الجزيرة العربية تصف إيران بأنها “القوة المنتصرة” بينما الجزيرة الإنجليزية تقدم أمريكا في صورة المنتصر، وكأن القناتين تعيشان في واقعين منفصلين.

لكن المفارقة أن هذا التناقض لا يقتصر على الحرب الإيرانية-الأمريكية فقط. إنه نمط ثابت يتكرر مع كل قضية كبرى، من نوال السعداوي إلى الحرب على غزة، ومن الانتخابات الأمريكية إلى الملفات المغربية.

  1. دليل السعداوي: وجهان لشخصية واحدة

في عام 2021، رحلت الكاتبة المصرية نوال السعداوي. كانت الجزيرة العربية حاضرة لتقول لمشاهديها إن الراحلة “هاجمت الأديان وطالبت بتقنين الدعارة وشككت في القرآن”. بينما قالت الجزيرة الإنجليزية إن السعداوي كانت “أيقونة حقوق المرأة” و”سيمون دي بوفوار العالم العربي” .

نفس القصة تتكرر مع شخصيات وقضايا أخرى. الجزيرة العربية تخاطب مشاعر الشارع العربي بلغة “المقاومة” و”الاستعمار”، بينما الجزيرة الإنجليزية تتبنى قوالب اليسار الغربي من “حقوق الإنسان” و”العدالة الاجتماعية” لانتقاد السياسات الأمريكية والإسرائيلية.

حتى القائمون على القناة لا ينكرون هذا. فتوني بورمان، المدير السابق للجزيرة الإنجليزية، اعترف عام 2009 بأن “القناتين تعملان بشكل مستقل إلى حد كبير” وكل واحدة تخدم جمهورها المختلف .

  1. الدليل الأوروبي: سويسرا تحجب العربية وتبقي الإنجليزية

في ديسمبر 2025، اتخذت شركتا الاتصالات السويسريتين Swisscom وSunrise قراراً مفاجئاً: سحبتا الجزيرة العربية بالكامل من باقة قنواتهما، بينما أبقتا على الجزيرة الإنجليزية .

التهمة الموجهة للنسخة العربية؟ الترويج لحماس والدعاية المناهضة لإسرائيل. تقارير أوروبية أكدت أن القناة العربية قدمت منصة مفتوحة لقيادات حماس، ودعمت استراتيجية الحرب النفسية للحركة عبر بث فيديوهات الأسرى الإسرائيليين .

لكن المفارقة الأكبر: الجزيرة الإنجليزية لم تتعرض لأي عقوبة، رغم أنها تنتمي لنفس الشبكة المملوكة للدولة القطرية. هذا يؤكد أن أوروبا نفسها تفرق بين “جزيرة العرب” و”جزيرة الغرب”.

  1. التمويل القطري: الحقيقة التي تفسر كل شيء

لكن لماذا هذا الازدواج؟ الإجابة تكمن في علاقة الجزيرة بالدولة القطرية. تقرير لمنصة NGO Report في مايو 2025 كشف أن 90% من ميزانية الشبكة تمولها الدولة القطرية مباشرة، وتديرها مؤسسة قطر للإعلام التي يرأسها الشيخ حمد بن ثامر آل ثاني .

الجزيرة لم تعد مؤسسة إعلامية مستقلة، بل أصبحت أداة من أدوات “القوة الناعمة” القطرية، تتحرك في انسجام مع الدبلوماسية القطرية . فالجزيرة الإنجليزية تُستخدم لمخاطبة الغرب واليسار العالمي، بينما الجزيرة العربية تُستخدم لتحريض الشارع العربي في الاتجاه الذي يخدم مصالح الدوحة الإقليمية .

وهنا يظهر التناقض الأكبر: قطر تستضيف أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة (قاعدة العديد)، وفي الوقت نفسه تدعم إعلامياً جماعات إسلامية تعادي السياسات الأمريكية. هذا “الرقص على حبلين” يتطلب إعلاماً على حبلين أيضاً.

  1. شهادة من الداخل: ديف ماراش يكشف “الانحياز المناهض لأمريكا”

في مارس 2008، أعلن المذيع الأمريكي البارز ديف ماراش، أحد أبرز الوجوه في إطلاق الجزيرة الإنجليزية، استقالته احتجاجاً على ما وصفه بـ”الموقف التحريري العدائي الانعكاسي” ضد الأمريكيين .

ماراش، الذي عمل سابقاً في ABC News، قال إنه شعر بضغط تحريري من الدوحة يدفع القناة لتكون أكثر قرباً من النهج العربي، مع “تحيز مناهض لأمريكا” في التعامل مع الأخبار .

هذه الشهادة تعكس حقيقة مهمة: الانحياز في الجزيرة ليس عفوياً، بل هو موجه من الإدارة القطرية، ويتم توزيعه حسب الجمهور المستهدف.

  1. لماذا هذا التناقض؟ الأهداف الخفية للازدواجية

إذا كانت القناتان تابعتين للدولة القطرية، فلماذا هذا الاختلاف المتعمد؟ التحليل يكشف عن أربعة أهداف رئيسية:

أولاً: إرضاء جمهورين متناقضين. فالجزيرة العربية تخاطب الشارع العربي الذي يستهويه خطاب “المقاومة” و”القومية العربية”، بينما الجزيرة الإنجليزية تخاطب الجمهور الغربي التقدمي بلغة “حقوق الإنسان” و”العدالة الاجتماعية”.

ثانياً: إدارة التناقضات الجيوسياسية لقطر. قطر دولة صغيرة تريد أن تكون حليفاً لأمريكا (عبر القاعدة العسكرية) وفي نفس الوقت زعيماً للتيار الإسلامي في المنطقة. هذا التناقض يتطلب إعلاماً منقسمًا.

ثالثاً: تعزيز النفوذ الإقليمي والدولي. فبينما تُستخدم العربية لدعم حلفاء الدوحة في العالم العربي، تُستخدم الإنجليزية لكسب شرعية دولية وبناء تحالفات مع اليسار الغربي المناهض للحروب.

رابعاً: توجيه الغضب الشعبي. كما يلاحظ كاتب مغربي، فإن الجزيرة حولت القضية الفلسطينية إلى “مسرح أخلاقي” يستهلك طاقة الغضب العربي دون تحقيق نتائج سياسية ملموسة .

  1. الجزيرة والمغرب: قراءة في السياق المحلي

المشاهد المغربي يتابع الجزيرة بشكل واسع، لكنه قد لا ينتبه إلى هذا الازدواج. فالجزيرة العربية كثيراً ما تناولت قضايا الصحراء المغربية بزاوية تختلف عن موقف الرباط، مما دفع المملكة إلى سحب اعتماد القناة قبل سنوات.

أما الجزيرة الإنجليزية، فنادراً ما تتناول الملفات المغربية الحساسة بنفس الحدة، مما يعكس مرة أخرى ثنائية المعايير القطرية. وهذا يجعل من الضروري للمشاهد المغربي أن يكون واعياً لهذا الازدواج، وألا يتعامل مع ما تقدمه الشبكة على أنه “حقيقة مطلقة”، بل كجزء من استراتيجية إعلامية موجهة تخدم مصالح دولة قطر أولاً.

  1. الخلاصة: أجندة خفية تحت غطاء المهنية

الخلاصة التي تفرضها القرائن والأدلة هي أن الجزيرة لم تعد مجرد شبكة إعلامية مستقلة، بل تحولت إلى أداة من أدوات السياسة الخارجية القطرية. والتناقض الصارخ بين النسختين العربية والإنجليزية ليس عيباً في التحرير، بل هو جزء من تصميم محكم يسمح للدوحة بمخاطبة جماهير مختلفة بلغات وأطر فكرية مختلفة.

قد تكون الجزيرة الإنجليزية حصلت على جوائز مرموقة، وقد تكون النسخة العربية لا تزال تحظى بشعبية في الشارع العربي. لكن السؤال الذي يجب أن يطرحه المشاهد الواعي: هل يمكن لوسيلة إعلام أن تكون “صوت المضطهدين” في الخارج، بينما هي أداة بيد نظام سياسي يمارس الازدواجية في علاقاته الإقليمية والدولية؟

هذه هي المعضلة التي تواجه المشاهد العربي اليوم: كيف يثق في مؤسسة إعلامية تتحدث بلغتين مختلفتين لجمهورين مختلفين، وتظهر في حرب واحدة منتصرين مختلفين، وتتبنى قضايا حقوق الإنسان فقط عندما تخدم مصالح ممولها؟

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث