في كل مرة تشتد فيها الأزمات، تبحث بعض الأنظمة عن نافذة للهروب إلى الأمام، وغالباً ما تكون كرة القدم هي الوسيلة الأسرع لإعادة توجيه بوصلة الرأي العام. هذا ما يبدو جلياً في الطريقة التي تعاملت بها السنغال مع ملف نهائي كأس إفريقيا، حيث تحوّل خلاف رياضي عابر إلى قضية وطنية تُدار بمنطق التصعيد بدل الاحتكام الهادئ للمؤسسات.

بين أزمة ديون خانقة، وتصنيف ائتماني متدهور، واحتقان اجتماعي متصاعد، تبدو السنغال اليوم أمام واحدة من أكثر المنعطفات السياسية والاقتصادية تعقيداً منذ تولي الرئيس باسيرو ديوماي فاي السلطة. ففي الوقت الذي كانت فيه حكومته تواجه تداعيات ديون خفيفة تقدر بنحو 13 مليار دولار خلفتها إدارة الرئيس السابق ماكي سال، إلى جانب تجميد صندوق النقد الدولي لبرنامج تمويل بقيمة 1.8 مليار دولار وخفض وكالة “ستاندرد آند بورز” للتصنيف الائتماني المحلي إلى درجة “CCC+” مع نظرة مستقبلية سلبية، وجدت السلطة الجديدة نفسها في سباق مع الزمن لامتصاص الغضب الشعبي الناجم عن سياسات التقشف وارتفاع تكاليف المعيشة.

في هذا السياق، جاء الملف الرياضي ليكون بمثابة متنفس سياسي بامتياز، بل أداة لصناعة “عدو خارجي” يُعيد توحيد الصف الداخلي تحت راية قضية واحدة. لكن المفارقة أن هذا العدو، هذه المرة، لم يكن خصماً تقليدياً، بل المغرب الذي يرتبط مع السنغال بعلاقات تاريخية وإستراتيجية متينة.
كأس إفريقيا.. عندما تحوّل “التنظيم” إلى أزمة دبلوماسية رياضية
تعود جذور التصعيد إلى الملف المتعلق بتنظيم نهائي كأس أمم إفريقيا، حيث رفضت السنغال قرارات الاتحاد الإفريقي لكرة القدم (الكاف)، ولجأت إلى محكمة التحكيم الرياضية (CAS) في خطوة تجاوزت الإطار الرياضي إلى فضاء قانوني سياسي بامتياز. لم يكن الهدف، وفق قراءة متعمقة، هو تحقيق نصر قانوني بقدر ما كان كسب الوقت وإبقاء الملف مشتعلاً في الإعلام، وتحويله إلى قضية رأي عام داخلي تتصدر المشهد بدلاً من الملفات الاقتصادية والاجتماعية الملحة.
لكن اللافت في التعامل السنغالي مع هذا الملف هو محاولة توسيع دائرة الاحتقان عبر محطات رمزية، كان أبرزها تنظيم احتفالات بالكأس في الخارج، وكأن الرسالة موجهة للعالم أكثر منها للداخل: “نحن لم نخسر، بل تعرضنا لمؤامرة”. هذا الخطاب، رغم حمولته العاطفية، يعمل بكفاءة عالية في لحظات التوتر الداخلي، لأنه يمنح الجمهور قصة بسيطة وموحدة: هناك خصم خارجي يجب مواجهته، بدلاً من مواجهة واقع داخلي معقد.
المغرب.. “الخصم المناسب” في معادلة الهروب إلى الأمام
في هذا السياق، لم يكن اختيار المغرب ليكون الطرف المقابل في هذه “المعركة” اعتباطياً. فالمغرب، بوصفه بلداً مضيفاً لعدد من المحطات الكروية الكبرى وبوصلة للاستقرار والتنمية الرياضية في القارة، يشكل “خصماً مثالياً” يمكن من خلاله تعبئة الشارع، خصوصاً في ظل التنافس الطبيعي بين القوتين الكرويتين الإفريقيتين.
لكن ما يجعل التعامل السنغالي مع الملف لافتاً هو أن التصعيد الرياضي جاء معاكساً تماماً لمنطق العلاقات الثنائية بين البلدين. فالمغرب والسنغال يربطهما تعاون اقتصادي وأمني وثيق، ويعتبر المغرب أحد أكبر المستثمرين في السنغال، كما أن البلدين يشكلان محوراً للاستقرار في غرب إفريقيا. غير أن المنطق السياسي الداخلي للسنغال بدا وكأنه يفرض “تطيير” الخلاف الرياضي إلى مستوى لا يتناسب مع حجم الملف الأصلي، في محاولة لاستخدامه كورقة ضغط سياسي داخلي.
هنا تتحول كرة القدم إلى “إبرة تخدير جماعي”، تُعيد ترتيب الأولويات في ذهن المواطن السنغالي. فبدلاً من النقاش حول الغلاء والبطالة والسياسات التقشفية التي أدت إلى احتجاجات عنيفة في الجامعات وشوارع العاصمة، أصبح النقاش منصباً على التحكيم، وقرارات “الكاف”، و”الحق المسلوب” في استضافة النهائي. إنها آلية قديمة بلباس جديد: صناعة عدو خارجي لتأجيل مواجهة الأسئلة الداخلية.
ما الذي يريده داكار حقاً من وراء هذه المعركة؟
الرهان الحقيقي، إذن، لا يكمن في كسب ملف داخل أروقة محكمة التحكيم الرياضية، بل في كسب معركة الوقت والسردية. فكل يوم يمر والنقاش الرياضي مشتعلاً، هو يوم إضافي بعيد عن مساءلة الواقع الاقتصادي والاجتماعي. وحتى لو انتهت القضية بخسارة قانونية، تكون المهمة قد أُنجزت مرحلياً: تم توجيه الأنظار، وامتصاص جزء من الغضب، وإعادة ترتيب المشهد.
هذا السيناريو يتقاطع مع ما أشارت إليه تقارير دولية من أن الحكومة السنغالية تجد نفسها اليوم أمام خيارات صعبة، بين تنفيذ سياسات تقشفية مطلوبة من المؤسسات المالية الدولية، وبين الحفاظ على حد أدنى من الاستقرار الاجتماعي. وفي هذه المعادلة، تظل كرة القدم أداة منخفضة التكلفة نسبياً، وقادرة على تعبئة قطاعات عريضة من الشعب، خصوصاً فئة الشباب التي تشكل نسبة كبيرة من السكان.
المغرب: بين التعامل المهني واستيعاب اللعبة
في المقابل، تعامل المغرب مع هذا الملف بحرفية رياضية عالية، تاركاً الباب مفتوحاً للقنوات القانونية والمؤسسات الرياضية لتفصل في النزاع، دون الانزلاق إلى ذات المنطق التصعيدي. هذا التمايز في التعامل يعكس رؤية مختلفة لاستخدام الرياضة: فبينما تحاول السنغال تحويلها إلى ملعب موازٍ للصراع السياسي، يصر المغرب على إبقائها في إطارها التنافسي الشريف، الذي يخدم القارة بدل أن يزيدها انقساماً.
لكن الأكيد أن هذه “المعركة” التي أثيرت حول كأس إفريقيا ستترك تداعياتها على المدى المتوسط، ليس فقط في العلاقات بين الاتحادين المغربي والسنغالي لكرة القدم، بل في فهم كيفية توظيف بعض الأنظمة للرياضة كورقة للهروب إلى الأمام، حتى لو كان الثمن هو التأثير على علاقات إقليمية متينة.
خلاصة: متى تنتهي لعبة “العدو الخارجي”؟
في النهاية، تكشف هذه الواقعة كيف يمكن لملف رياضي أن يتحول إلى أداة سياسية بامتياز، تُستعمل ليس لتحقيق انتصار في الملعب، بل لتدبير أزمة خارجه. وبين الحماس الجماهيري والحقائق الصلبة، يظل السؤال قائماً: إلى متى يمكن إقناع الشعوب بأن معاركها الحقيقية تُحسم في ملاعب كرة القدم؟
ما يحدث اليوم في السنغال ليس حالة معزولة، بل هو نموذج مكرر في سياقات مختلفة: عندما تعجز الأنظمة عن تقديم حلول للأزمات الحقيقية، تبحث عن أعداء وهميين تلف حولهم المشهد، وتوظف الرموز الوطنية – ومنها كرة القدم – لتكون غطاءً لتأجيل المواجهة مع الواقع. السؤال الذي يبقى مفتوحاً هو: إلى أي مدى سينجح هذا السيناريو هذه المرة، ومتى سينتبه الجمهور إلى أن المعركة الحقيقية ليست في قاعات المحاكم الرياضية، بل في الشارع الذي يئن من وطأ الأزمات؟


Comments
0