في ظل الخطاب الرسمي، تبدو إدارة الموارد في المغرب جزءا لا يتجزأ من رؤية تنموية طموحة، تتحدث عن “النمو” و”الاستثمار” و”الأوراش الكبرى”. بيد أن التمعن في آليات اتخاذ القرار ومسارات توزيع الثروة يكشف بنية أكثر تعقيدًا، تتجاوز مجرد الشعارات إلى شبكة من المصالح المتداخلة، حيث لا يُنظر إلى الاقتصاد كأرقام فحسب، بل كميزان قوة بين فاعلين مؤثرين داخل الدولة وخارجها.
في النماذج التقليدية للديمقراطيات التمثيلية، تنبثق السياسات العمومية من القاعدة الاجتماعية، حيث تعكس الحكومات المنتخبة أولويات المواطنين، لتترجم لاحقًا إلى برامج تموَّل من الموارد الوطنية. لكن في التجربة المغربية، يبرز نمط مختلف: فالقرار الاقتصادي لا يُصاغ فقط داخل المؤسسات المنتخبة، بل يتشكل أيضًا في دوائر ضيقة تجمع كبار المسؤولين ومديري المؤسسات العمومية إلى جانب رؤساء المجموعات الاقتصادية الكبرى. وهذا التكوين يخلق ما يشبه “هرما قراريا معكوسا”، حيث تحدد الأولويات من القمة، ثم تُسوَّق لاحقًا باعتبارها استجابة لحاجيات المجتمع.
يتجلى هذا التحول بوضوح في طبيعة المشاريع الهيكلية التي تُطلق تحت مسمى “النمو”؛ فهي مشاريع ضخمة من حيث الاستثمار (طرق سيارة، موانئ، مناطق صناعية) وتُعلن بأرقام تبلغ مليارات الدراهم، مما يعطي انطباعًا بحركية اقتصادية وازنة. غير أن تحليل سلاسل القيمة المرتبطة بهذه المشاريع يكشف تركيزًا واضحًا للاستفادة داخل دائرة محدودة من الفاعلين، تشمل شركات البناء الكبرى والبنوك وشركات التأمين ومزودي الخدمات اللوجستية. وهذا الواقع يطرح سؤالاً جوهريًا: هل نحن أمام مشاريع تنموية تعمل على توزيع القيمة، أم مشاريع ربحية تعيد إنتاج مراكز القوة نفسها؟
في العمق، يكمن الفرق بين “النمو” و”التنمية”؛ فالنمو يُقاس بارتفاع الناتج الداخلي الخام، بينما التنمية تُقاس بمدى تحسُّن جودة حياة المواطنين: فرص الشغل، العدالة الاجتماعية، والولوج إلى الخدمات الأساسية. وهنا تبرز المفارقة: فرغم تسجيل نسب نمو في بعض القطاعات، يظل الأثر الاجتماعي محدودًا، خاصة في مجال خلق فرص العمل. ذلك أن الكثير من الاستثمارات الحالية تتجه نحو قطاعات كثيفة رأس المال وقليلة التشغيل، مما يعني أن كل مليار درهم يُستثمر لا يخلق إلا عشرات الوظائف بدلاً من مئات أو آلاف.
ويتعمق هذا الإشكال أكثر عند النظر إلى طبيعة القطاعات “المقنَّنة” أو المحمية، حيث يؤدي الجهاز الحكومي دورًا مزدوجًا: فهو من جهة مُشرِّع ومنظِّم، ومن جهة أخرى فاعل اقتصادي مباشر أو غير مباشر. وهذا التداخل يخلق وضعية حساسة يمكن وصفها بـ”تضارب الأدوار”، إذ يصبح الجهاز الحكومي في موقع “الخصم والحكم” معًا. وفي هذه البيئة، يصعب تحقيق منافسة حقيقية، كما يصعب على الفاعلين الصغار والمتوسطين ولوج السوق بشروط متكافئة.
ولا يمكن فصل هذه البنية عن السياق التاريخي والاقتصادي للمغرب، حيث تشكلت عبر عقود شبكة من العلاقات بين السلطة والاقتصاد، أفرزت ما يسميه المراقبون “رأسمالية القرب”. وهذه الرأسمالية لا تعتمد فقط على الكفاءة أو الابتكار، بل على القرب من دوائر القرار، مما ينعكس على توزيع الصفقات وتوجيه الاستثمارات وحتى على تحديد أولويات السياسات العمومية. وإن قراءة متأنية للتقارير الصحفية والتحقيقات الميدانية -التي تواصل وسائل الإعلام استقصاء الحقائق من خلالها- تكشف أبعادًا إضافية لهذه الدينامية.
لكن الأثر الأعمق لهذه المنظومة يظهر في حياة المواطنين اليومية. فحين لا تُترجم الاستثمارات إلى فرص شغل كافية، وحين تظل الثروة مركزة، تتسع الفجوة الاجتماعية ويزداد الإحساس بعدم العدالة. المواطن هنا لا يرى “المليارات” المعلنة، بل يشعر بارتفاع كلفة المعيشة وهشاشة العمل وصعوبة الولوج إلى الخدمات. وهنا يتحول السؤال من “كم ننمو؟” إلى “لمن ننمو؟”.
في المقابل، تطرح هذه الوضعية أسئلة استراتيجية حول مستقبل النموذج التنموي في المملكة: هل يمكن الاستمرار في المنطق نفسه دون إعادة توزيع حقيقية للثروة؟ وهل يمكن تحقيق إقلاع اقتصادي دون إشراك فعلي للمقاولات الصغرى والمتوسطة؟ وهل يمكن بناء ثقة مجتمعية دون شفافية أكبر في تدبير الموارد وتحديد الأولويات؟
إن إعادة النظر في إدارة الموارد لا تعني فقط تحسين الأرقام، بل تعني إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس من المساءلة والشفافية وتكافؤ الفرص. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في إطلاق مشاريع أكبر، بل في ضمان أن تصل ثمار هذه المشاريع إلى أوسع شريحة ممكنة من المواطنين، وأن تتحول من أدوات للنمو إلى روافع للتنمية الشاملة. والرأي العام مدعو اليوم إلى متابعة هذه القضايا بعين ناقدة واعية، والمشاركة في النقاش الوطني البنّاء حول مستقبل النموذج التنموي، ذلك أن الوعي الجماعي هو الضامن الحقيقي لاقتصاد أكثر عدلاً وإشراقًا.


Comments
0