فيديو الإساءة لخنيفرة.. تمثلات نمطية ثقافية مغلوطة، الخط الفاصل بين الخطاب العلمي والخطاب الشعبوي. - m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |أخبار 24 ساعة

فيديو الإساءة لخنيفرة.. تمثلات نمطية ثقافية مغلوطة، الخط الفاصل بين الخطاب العلمي والخطاب الشعبوي.

كلية العلوم والقانونية و السياسية جامعة الحسن الاول سطات

إن العبارة الساخرة المتداولة في أحد شوارع الدار البيضاء “هل أصبحت خنيفرة عندنا هنا؟” لا يمكن اعتبارها مجرد تعبير عفوي عابر، بل هي مؤشر دالّ على تمثل نمطي راسخ يختزل مجالا ترابيًا بأكمله، مثل خنيفرة، في صورة كاريكاتورية تختزل التعقيد الاجتماعي والتاريخي في إشارات سطحية جاهزة.

هذا الخطاب لا يقف عند حدود الإساءة الرمزية، بل يعيد إنتاج بنية ذهنية قائمة على ثنائية “المركز” و“الهامش”، حيث يُنظر إلى الاختلاف الثقافي بوصفه مادة للتندر لا موضوعًا للفهم. وهو ما يكشف، في العمق، عن هشاشة في الوعي بالتعدد الذي يشكل أحد أعمدة البنية المجتمعية المغربية.

إن خنيفرة ليست استعارة لغوية تُستدعى لتبخيس مشهد أو نزع قيمته، بل هي فضاء تاريخي وثقافي تشكل عبر تفاعلات معقدة، ارتبطت بالفعل المقاوم وبالامتداد الأمازيغي وبأنماط عيش وتعبير متجذرة. كما أن إقحام تعبيرات فنية معينة ضمن هذا السياق، على أساس أنها تمثل هوية المنطقة، يعكس خلطًا منهجيًا بين الحقول الثقافية، إذ إن البنيات الفنية في المغرب متعددة المرجعيات، ولا يمكن ردّها إلى منطق إلحاقي مبسط.

غير أن الإشكال لا يكمن فقط في العبارة، بل في مسار تداولها، حيث سارعت بعض المنابر الإعلامية إلى إعادة نشرها دون أي تمحيص أو مسافة نقدية، في انزلاق واضح عن الوظيفة التأطيرية للإعلام. فالإعلام، من منظور سوسيولوجي، لا ينقل الوقائع فحسب، بل يساهم في تشكيل التمثلات الجماعية، وأي تهاون في هذا الدور يؤدي إلى تكريس الوصم المجالي، بما يحمله من آثار على تماسك النسيج الاجتماعي.

وفي سياق تفكيك الخلفيات التاريخية التي يُساء توظيفها أحيانًا لتغذية هذه الصور النمطية، تشير دراسات متخصصة في تاريخ الاستعمار الفرنسي إلى أن الإدارة العسكرية اعتمدت نظام “بيوت الدعارة الميدانية” (BMC) بالقرب من الثكنات، بهدف ضبط سلوك الجنود ومراقبة الأوضاع الصحية[1]. وقد تم توثيق هذه الممارسات في عدد من المراكز الحضرية المغربية التي شهدت حضورًا عسكريًا كثيفًا، مثل الدار البيضاء والرباط ومراكش، حيث خضعت بعض الفضاءات لتنظيم إداري مباشر في هذا المجال[2].

وتؤكد الأبحاث التاريخية أن هذه البنيات لم تكن تعبيرًا عن القيم الاجتماعية المحلية، بل كانت جزءًا من سياسة استعمارية مفروضة، ارتبطت بمنطق التحكم في الأجساد داخل المنظومة الكولونيالية. كما أن جزءًا من النساء اللواتي كنّ يعملن في هذه الفضاءات لم يكنّ من الساكنة المحلية، بل جرى استقدامهن في إطار تدبير إداري وعسكري منظم[3].

إن استدعاء هذه الوقائع التاريخية خارج سياقها، وتحويلها إلى أداة لوسم مجتمع بعينه أو إلصاقها بهوية مجال محدد، لا يعدو أن يكون قراءة انتقائية للتاريخ، تقوم على اجتزاء المعطيات من سياقها وإعادة توظيفها في خطاب شعبوي قائم على التعميم والتشهير. بل إن مثل هذه الادعاءات تتجاهل الفارق الجوهري بين “سياسة استعمارية مفروضة” و“بنية اجتماعية محلية”، وهو فارق حاسم في أي تحليل علمي رصين.

إن الإصرار على ترويج مثل هذه المغالطات لا يمكن تفسيره بالجهل وحده، بل يعكس أحيانًا نزوعًا نحو إنتاج الكراهية الرمزية بين مكونات المجتمع، عبر تغذية التمثلات السلبية وإعادة تدويرها. وهو ما يستدعي موقفًا نقديًا حازمًا، يعمل على تفكيك البنيات الفكرية التي تُنتج هذا الخطاب، بدل الاكتفاء بردود ظرفية عليه.

إن الدفاع عن كرامة المجالات ليس مجرد موقف أخلاقي، بل هو ضرورة معرفية تقتضي إعادة الاعتبار للتاريخ في تعقيده، وللثقافة في تعددها، ولمسؤولية الإعلام في تأطير النقاش العمومي. فالتنوع المجالي في المغرب ليس مجالًا للسخرية أو المفاضلة، بل هو تعبير عن غنى حضاري متراكم، وأي مساس به عبر خطابات الاختزال والوصم لا يؤدي إلا إلى تعميق التنافر داخل النسيج الوطني.

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث