التسويق الترابي كرافعة استراتيجية لتعزيز الاستثمار: بين التأطير النظري والتنزيل العملي في المغرب - m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |أخبار 24 ساعة

التسويق الترابي كرافعة استراتيجية لتعزيز الاستثمار: بين التأطير النظري والتنزيل العملي في المغرب

كلية العلوم والقانونية و السياسية جامعة الحسن الاول سطات

يشهد المغرب في السنوات الأخيرة تحولات عميقة في مقاربته للتنمية الترابية، حيث لم يعد المجال الجغرافي مجرد إطار إداري أو فضاء للسكن، بل أصبح يُنظر إليه كمنتوج متكامل قابل للتسويق والتثمين. وفي هذا السياق، يكتسي كتاب “التسويق الترابي من أجل الاستثمار” أهمية بالغة، إذ يقدم رؤية نظرية ومنهجية لكيفية جعل المجالات الترابية أكثر جاذبية للاستثمار. وتتقاطع هذه الرؤية بشكل واضح مع التوجيهات الملكية السامية التي أرست دعائم الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية.

أولاً، يؤكد مفهوم التسويق الترابي على أن الجاذبية الترابية لم تعد مرتبطة فقط بالموقع الجغرافي، بل أصبحت رهينة بمجموعة من العوامل المندمجة، من بينها جودة البنيات التحتية، وتحسين ظروف العيش، وتوفير مناخ أعمال ملائم. وهذا التوجه يتماشى بشكل مباشر مع البرامج التنموية الجديدة التي خصصت لها استثمارات ضخمة بهدف تعزيز تنافسية الجهات والأقاليم، وجعلها قادرة على استقطاب الاستثمارات الوطنية والدولية.

ثانياً، يبرز الكتاب أهمية الانطلاق من حاجيات الساكنة المحلية في صياغة الاستراتيجيات الترابية، من خلال اعتماد تشخيص تشاركي يدمج مختلف الفاعلين. وهذا يعكس التحول الذي يشهده المغرب من مقاربة مركزية تقليدية إلى مقاربة ترابية تشاركية، حيث أصبحت الساكنة شريكاً أساسياً في تحديد أولويات التنمية، وهو ما يعزز نجاعة البرامج ويضمن استدامتها.

ثالثاً، تشكل الحكامة الترابية ركيزة أساسية في إنجاح أي استراتيجية للتسويق الترابي. فالكتاب يشدد على ضرورة التنسيق بين مختلف المتدخلين، واعتماد آليات فعالة للتتبع والتقييم. وهو ما يتجسد في البرامج الحالية من خلال إرساء منظومات متكاملة للمراقبة، وتبني الرقمنة كأداة لضمان الشفافية وتحسين الأداء، مما يعزز ثقة المستثمرين ويقوي مصداقية المؤسسات.

رابعاً، لا يهدف التسويق الترابي إلى الترويج فقط، بل يتجاوز ذلك ليصبح أداة لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، من خلال جذب الاستثمارات وخلق فرص الشغل. وهذا يتطابق مع الأهداف الكبرى للسياسات العمومية الحالية، التي تسعى إلى تحقيق نمو شامل ينعكس إيجاباً على حياة المواطنين.

أخيراً، يعكس التحول نحو برامج تنموية ممتدة زمنياً رؤية استراتيجية بعيدة المدى، وهو ما دعا إليه الكتاب من خلال التأكيد على ضرورة تجاوز الحلول الظرفية واعتماد تخطيط مستدام. فالتنمية الترابية اليوم لم تعد مجرد مشاريع متفرقة، بل أصبحت جزءاً من نموذج تنموي جديد قائم على التكامل والابتكار.

وفي المحصلة، يمكن القول إن العلاقة بين التسويق الترابي كما يؤطره الفكر الأكاديمي، وبين السياسات العمومية بالمغرب، هي علاقة تكاملية. حيث يوفر الإطار النظري الأدوات والمفاهيم، بينما تجسد البرامج التنموية التطبيق العملي لهذه الرؤية، بما يسهم في بناء مجالات ترابية أكثر جاذبية، وقدرة على تحقيق تنمية مستدامة وشاملة.

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث