في الوقت الذي تستعد فيه مدينة مكناس لاحتضان دورة جديدة من المعرض الدولي للفلاحة بالمغرب، تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، تبدو الصورة الرسمية مكتملة المعالم، مدينة تتزين، وأروقة تُشيَّد، وخطاب احتفالي يبرز “النجاحات” و”الإشعاع الدولي”. غير أن هذه الواجهة اللامعة تخفي، في عمقها، توترا واضحا بين المؤشرات الماكرو-اقتصادية والواقع المعيشي اليومي للمواطن
منذ إطلاق مخطط المغرب الأخضر، تم توجيه جزء كبير من الجهد العمومي نحو رفع الإنتاجية وتعزيز الصادرات الفلاحية. على الورق، تحققت أرقام لافتة في بعض السلاسل التصديرية، خاصة الخضر والفواكه. لكن عند تفكيك هذه المعادلة، يظهر خلل بنيوي: من يستفيد فعلياً من هذه الدينامية؟ الفلاح الصغير والمستهلك الداخلي لا يبدوان ضمن الرابحين الأساسيين.
الأسعار في السوق الوطنية عرفت منحى تصاعدياً مستمراً خلال السنوات الأخيرة، وهو أمر لا يمكن تفسيره فقط بعوامل ظرفية مثل الجفاف أو اضطراب سلاسل التوريد. هناك منطق اقتصادي أعمق يشتغل في الخلفية: توجيه الإنتاج نحو التصدير حيث هوامش الربح أعلى، مقابل تراجع أولوية تزويد السوق الداخلية بشروط تضمن القدرة الشرائية. هذا التحول يخلق مفارقة صارخة: بلد فلاحي بامتياز، ومواطن يواجه صعوبة متزايدة في اقتناء أبسط المنتجات الفلاحية.
الخطاب الرسمي غالباً ما يربط الغلاء بعوامل خارجية أو تقلبات مناخية، وهو تفسير جزئي لا يصمد أمام التحليل الشامل. فحين ترتفع صادرات منتجات معينة بالتوازي مع ارتفاع أسعارها داخلياً، يصبح من المشروع طرح سؤال حول آليات الضبط: أين دور الدولة في تحقيق التوازن بين متطلبات السوق الدولية وحقوق المستهلك المحلي؟ وهل هناك فعلاً سياسة واضحة لحماية الأمن الغذائي الداخلي، أم أن منطق السوق الحرة يُترك دون كوابح فعالة؟
الأمر لا يتعلق برفض التصدير أو الانغلاق الاقتصادي، بل بإعادة ترتيب الأولويات. الاقتصادات الناجحة لا تقيس أداءها فقط بحجم الصادرات، بل أيضاً بمدى انعكاس ذلك على رفاه المواطن. في الحالة المغربية، يبدو أن الفجوة تتسع: استثمارات ضخمة، معارض دولية، شراكات استراتيجية… وفي المقابل، تآكل تدريجي للقدرة الشرائية، خاصة لدى الفئات الهشة والمتوسطة.
المعرض في حد ذاته يظل فرصة للنقاش وتبادل الخبرات، لكن قيمته الحقيقية تُقاس بقدرته على طرح الأسئلة المزعجة قبل الاحتفاء بالإنجازات. هل النموذج الفلاحي الحالي قابل للاستمرار اجتماعياً؟ هل يحقق توازناً عادلاً بين الربح الاقتصادي والعدالة الاجتماعية؟ أم أننا أمام نموذج يراكم الأرقام ويؤجل الانفجار الاجتماعي؟
الرهان اليوم لم يعد تنظيم تظاهرة ناجحة من حيث الشكل، بل مواجهة الاختلالات التي أصبحت محسوسة في تفاصيل الحياة اليومية للمواطن. دون ذلك، سيظل المشهد منقسماً بين منصات عرض متألقة وأسواق داخلية تزداد احتقاناً.


Comments
0