“لافاش” خلف القضبان… وجع الإنسان كما لا يرى - m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |متفرقات

“لافاش” خلف القضبان… وجع الإنسان كما لا يرى

IMG_20260430_191006

آزرو – أحيانا، لا يحتاج المسرح إلى قاعة فخمة ولا إلى جمهور واسع، يكفيه مكان واحد صادق، حتى يقول كل شيء.
في السجن المحلي بآزرو، مساء 28 أبريل 2026، لم يكن عرض “لافاش” مجرد محطة ضمن جولة مسرحية، بل لحظة كشف، انزاحت فيها المسافة بين الفن والحياة، وتحول الركح إلى مرآة لا تعكس الواقع فقط، بل تفضح طبقاته الخفية.
“ما قدم سيظل راسخا في وجداننا جميعا، الكل يتحدث عن صدى التجربة منذ ليلة البارحة.”
بهذه الكلمات، عبر مدير السجن المحلي بآزرو عن أثر عرض لم يمر مرورا عاديا، بل ترك وراءه سؤالا مفتوحا: ماذا يحدث حين يلتقي الفن بمكان يعرف، أكثر من غيره، معنى القيد؟
في “لافاش”، لا تبنى الشخصيات لتحكى، بل لتفكك.
أولها المحقق فؤاد، الذي جسده عبد الكبير الركاكنة، ليس باعتباره سلطة، بل باعتباره أزمة.
فؤاد لا يحكم، بل يتردد. لا يسيطر، بل ينقسم. هو صورة لإنسان وجد نفسه في موقع لا يشبهه تماما، بين قانون لا يكفي، وواقع لا يحتمل. حتى حياته الشخصية، المثقلة بفشل مشروعه المرتبط بـ”الكريدي”، تبدو امتدادا لعجز أكبر: عجز عن التوازن في عالم مختل.
في الجهة المقابلة، يظهر بناقص الخماس، كما قدمه بوشعيب العمراني، ككثافة إنسانية صافية.
ليس بطلا، ولا ضحية مكتملة، بل إنسان يقاوم بطريقته البسيطة. هو ما يتبقى من الكرامة حين تسحب كل الشروط الأخرى.
شهم إلى حد الخسارة، ونبيل في عالم لا يكافئ النبل.
ثم تأتي رحمة، اسم يوحي بالنجاة، لكن حضوره يكشف العكس. كما أدتها هند ظافر، هي ليست مجرد ضحية، بل مساحة صمت، تختزن ما لا يقال.
فيها تتجسد هشاشة الإنسان حين يتحول إلى موضوع داخل علاقات القوة، لا فاعل فيها.
أما الحاج الباعوضي، الذي أداه عبدو جلال، فلا يقدم كشرير تقليدي، بل كمنظومة قائمة بذاتها.
سلطة لا تحتاج إلى العنف المباشر، لأنها تمتلك ما هو أقوى: المال، النفوذ، والقدرة على جعل الظلم يبدو عاديا.
هو ليس استثناء… بل نتيجة.
داخل هذا البناء، تتحول “البقرة” من كائن عابر إلى رمز مركزي، يكشف عبثا عميقا. أن تتهم بأنها “حامل” من بناقص ليس مجرد مفارقة، بل إشارة إلى عالم يمكن فيه لأي شيء أن يصبح تهمة، إذا كان ذلك يخدم منطق السيطرة. هنا، لا يعود العبث استثناء… بل قاعدة.
“في زمن العتمات، لا بد لنبراس الأمل أن ينير طريق القيم النبيلة.”
لكن “لافاش” لا تقدم هذا الأمل بشكل مباشر.
هي لا تطمئن، بل تقلق. لا تغلق الجرح، بل تتركه مفتوحا.
إخراج عبد الكبير الركاكنة يذهب في هذا الاتجاه، حيث يختار نوعا بصريا يوازي كثافة المعنى. الفضاء شبه فارغ، لكن الدلالة ممتلئة. الصمت حاضر، لكنه ليس غيابا، بل لغة. عرض العمل داخل السجن لم يكن تفصيلا، بل شرطا لفهمه.
فهنا، حيث الحرية ليست مفهوما بل تجربة يومية معاكسة، تكتسب كل جملة وزنا مختلفا، وكل صمت معنى إضافيا.
ضمن جولة فنية بدعم من وزارة الشباب والثقافة والتواصل، وبشراكة مع مسرح محمد الخامس، يواصل هذا العمل رحلته بين المدن، لكن محطة آزرو تظل الأكثر كثاف، لأنها لم تقدم مسرحا فقط،
بل طرحت سؤالا بسيطا، وصعبا في الآن نفسه:
هل نحتاج إلى الفن ليفضح الواقع… أم إلى الشجاعة لنراه كما هو؟

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث