يحلّ اليوم العالمي لحرية الصحافة هذا العام على الجسم الإعلامي المغربي في سياق استثنائي يطبعه القلق المهني والارتباك المؤسساتي. فبينما يحتفل العالم بقيم “الصحافة كرسالة”، يجد الصحافيون المغاربة أنفسهم أمام مشهد سريالي: قطاع حيوي واستراتيجي يبحر في أمواج متلاطمة دون “رُبّان” شرعي يقود السفينة، في ظل أزمة هيكلية وقانونية عصفت بالمجلس الوطني للصحافة.
منذ انتهاء ولاية المجلس الوطني للصحافة، دخل القطاع في نفق “التدبير المؤقت”، مما جعل المهنة تعيش حالة من التيه التنظيمي. إن غياب مؤسسة منتخبة تجسد التنزيل الديمقراطي لمبدأ “التنظيم الذاتي” حوّل مهنة المتاعب إلى قطاع يفتقر لمرجعية قوية قادرة على حماية أخلاقيات المهنة وتحصين البيت الداخلي. هذا الفراغ حوّل القوانين المنظمة إلى مجرد “حبر على ورق”، لم تفلح في خلق إجماع مهني أو سياسي ينهي حالة الجمود.
الصدمة الدستورية: قانون في مهب الريح لم تكن الأزمة إدارية فحسب، بل اصطدمت بالجدار الدستوري. فقد سجل المتابعون بكثير من التأمل الملاحظات الجوهرية التي أوردها المجلس الدستوري في بلاغه الرسمي، حينما أسقط بنوداً من القانون المنظم للمجلس لعدم دستوريتها. تلك الملاحظات لم تكن تقنية عابرة، بل مست روح النص القانوني، مؤكدة أن أي تشريع لا يحترم المبادئ الدستورية وقواعد الحكامة يظل قاصراً عن مواكبة طموحات بلد يسعى لتكريس دولة الحق والقانون.
أغلبية رقمية لا إجماع مهني وفي تطور لافت يتزامن مع هذه الأجواء، صادقت لجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس النواب، يوم الثلاثاء، بالأغلبية على مشروع القانون الجديد للمجلس الوطني للصحافة. وبأرقام كشفت عن عمق الانقسام (12 موافقاً، 7 معارضين، وامتناع البقية)، يبدو أن النص القانوني الجديد يمر عبر “عنق الزجاجة” البرلماني دون أن يحمل معه التوافق الذي يحتاجه قطاع يقوم أساساً على التعددية والاختلاف.
وسط هذا التجاذب السياسي والقانوني، يطرح السؤال الجوهري نفسه:
أي صحافة نريد؟
إن المغرب اليوم ليس بحاجة إلى “صحافة صدى” تكتفي بنقل الخبر، بل هو في أمسّ الحاجة إلى “صحافة الرسالة العقلانية”. صحافة تعتبر نفسها شريكاً وطنياً حقيقياً، ليس عبر التملق أو الإثارة، بل من خلال:
إثارة نقاش حقيقي: يسلط الضوء على أعطاب الوطن واقتراح بدائل بمسؤولية.
تقريب وجهات النظر: العمل كجسر آمن بين الدولة والمجتمع لبناء الثقة.
النزاهة المهنية: الانتصار للحقيقة والموضوعية بعيداً عن الاستقطاب الضيقة.
إن الاحتفال باليوم العالمي للصحافة في المغرب يجب ألا يمر كمناسبة بروتوكولية، بل يجب أن يكون وقفة للمحاسبة الذاتية. إن إنقاذ “سفينة الصحافة” يتطلب العودة إلى روح الدستور، وإرساء توافق وطني ينهي حالة “القطاع بدون رُبّان”، لننتقل من معارك “الشرعية القانونية” إلى معارك “التنمية والتنوير”. فالصحافة النزيهة هي الحصن المنيع للوطن، وبدونها تظل الديمقراطية منقوصة الأركان.


Comments
0