مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية، تدخل بعض الأحزاب السياسية مرحلة إعادة ترتيب مواقعها الداخلية، غير أن هذه الدينامية التي يفترض أن تكون مؤطرة بمنطق التنافس الديمقراطي وإفراز الكفاءات، تحولت في عدد من الحالات إلى ما يشبه “سوقا انتخابية” مفتوحة على مختلف أشكال السمسرة السياسية. فبعد سنوات من الجدل حول بيع “التزكيات” الحزبية ومنحها مقابل الولاءات أو المصالح، برز في الآونة الأخيرة شكل جديد من “التبزنيس الانتخابي”، يتمثل هذه المرة في المتاجرة بـ”الإقالات” والضغوط التنظيمية لإفراغ الساحة من المنافسين.
وباتت بعض الكواليس الحزبية تتحدث عن تحركات يقودها ما بات يُوصف بـ”فراقشية” الانتخابات، وهم وسطاء سياسيون يتنقلون بين الأحزاب والمرشحين، لا تربطهم بالعمل السياسي أي قناعة أو مشروع، بقدر ما تحركهم حسابات الربح والتموقع. هؤلاء وجدوا في الصراعات الداخلية والتنافس حول المناصب فرصة جديدة للاستثمار السياسي، عبر التوسط لإبعاد أسماء معينة من مواقع المسؤولية أو الدفع نحو استقالات وإقالات تخدم أجندات انتخابية ضيقة.
وفي الوقت الذي كان الرأي العام ينتظر من الأحزاب أن تنشغل بإعداد برامج واقعية تستجيب لتحديات التشغيل والتنمية والخدمات الاجتماعية، انشغل البعض بإعادة إنتاج أساليب التحكم في الخريطة الانتخابية عبر أدوات جديدة أكثر خطورة، لأنها تضرب في العمق ما تبقى من ثقة المواطنين في المؤسسات الحزبية. فحين تتحول القرارات التنظيمية إلى أوراق للمساومة، يصبح الانتماء الحزبي نفسه مجرد وسيلة ظرفية لتحقيق المكاسب.
ويؤكد متابعون للشأن السياسي أن هذه الممارسات لا تقتصر على حزب دون آخر، بل أصبحت ظاهرة تتكرر كلما اقتربت المحطات الانتخابية، حيث ترتفع وتيرة الصراعات الداخلية، وتكثر محاولات إقصاء الأصوات غير المرغوب فيها، سواء عبر التجميد أو الإبعاد أو الدفع نحو “الاستقالة القسرية”. كما أن بعض المنتخبين والفاعلين المحليين باتوا يتعرضون لضغوط متزايدة من أجل تغيير الولاءات أو الانسحاب لفائدة أسماء معينة يجري إعدادها مسبقا لخوض الانتخابات.
ويرى مهتمون أن أخطر ما في هذا التحول هو انتقال المال الانتخابي من مجرد شراء الأصوات إلى التأثير المباشر في البنية التنظيمية للأحزاب، بما يفرغ العمل السياسي من معناه الديمقراطي، ويجعل القرارات الحزبية خاضعة لمنطق النفوذ والمصالح بدل الكفاءة والشرعية النضالية.
إن استمرار مثل هذه السلوكات يطرح أكثر من علامة استفهام حول مستقبل الممارسة السياسية والحزبية، خاصة في ظل تنامي عزوف الشباب وفقدان الثقة في المؤسسات المنتخبة. فالأحزاب التي يفترض أن تكون مدرسة للديمقراطية والتأطير السياسي، مطالبة اليوم بتطهير هياكلها من منطق السمسرة والولاءات العابرة، وربط المسؤولية بالكفاءة والمصداقية. أما تحويل الانتخابات إلى موسم لـ”التبزنيس” وتصفية الحسابات الداخلية، فلن يؤدي سوى إلى تعميق الهوة بين المواطن والعمل السياسي، وإضعاف ما تبقى من صورة الفعل الحزبي لدى الرأي العام.


Comments
0