“بين ضغوط التحالفات الأوروبية وحسابات الطاقة في جنوب المتوسط… كيف تكشف ضجة تصريحات شلاين عن التحول الجيوستراتيجي الذي يدفع إيطاليا نحو تبنّي المبادرة المغربية كخيار دبلوماسي واقعي ومستقبلي”
ينفجر الجدل داخل الساحة السياسية الإيطالية بعد التصريحات الأخيرة للأمينة العامة للحزب الديمقراطي، إيللي شلاين، التي أعلنت فيها دعمًا صريحًا لموقف البوليساريو الانفصالي ،في لحظة كان يُفترض فيها أن تتجه روما نحو انسجام أكبر مع شركائها الأوروبيين والأطلسيين.
هذا التصريح لم يكن مجرد موقف عابر، بل أعاد فتح ملف ظلّ لسنوات محاطًا بالغموض داخل السياسة الخارجية الإيطالية، وأعاد طرح السؤال الجوهري: أين تقف إيطاليا فعليًا من قضية الصحراء المغربية؟ وما الذي يمنعها من تبنّي موقف واضح رغم التحولات الجيوسياسية التي جعلت المبادرة المغربية للحكم الذاتي الحل الأكثر واقعية ومصداقية على المستوى الدولي؟فالموقف المغربي لم يعد مجرد خيار سياسي، بل أصبح اليوم محور إجماع دولي واسع، تؤكده الولايات المتحدة وألمانيا وإسبانيا وفرنسا والاتحاد الأوروبي، الذين يعتبرون مبادرة الحكم الذاتي المغربية الحل الوحيد القادر على إنهاء النزاع بشكل عملي ومتوازن. ويؤكد خبراء مغاربة في العلاقات الدولية أن هذا الإجماع لم يأتِ صدفة، بل هو نتيجة تحول عميق في فهم القوى الدولية لطبيعة النزاع، واعترافها بأن المغرب يقدم الحل الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق، وأن الأطروحات الانفصالية فقدت الكثير من زخمها الدولي ولم تعد تمثل خيارًا جيوسياسيًا ذا جدوى. ويضيف محللون مغاربة أن المبادرة المغربية للحكم الذاتي أصبحت اليوم مرجعًا دبلوماسيًا عالميًا لأنها تجمع بين الواقعية السياسية واحترام الخصوصيات المحلية، وهو ما جعلها تحظى بدعم متزايد من القوى الكبرى.ورغم هذا الوضوح الدولي، تجد إيطاليا نفسها في وضع متناقض، فهي من جهة عضو في الاتحاد الأوروبي وحليف استراتيجي للولايات المتحدة، ما يجعل الانسجام مع الموقف المغربي ضرورة سياسية، ومن جهة أخرى لا تزال بعض التيارات اليسارية الإيطالية أسيرة إرث أيديولوجي قديم يعود إلى سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، حين كانت تنظر إلى القضية الصحراوية من منظور أممي وثوري بعيد عن المعطيات الجيوسياسية الحالية. ويشرح خبير مغربي في الشؤون الأوروبية أن إيطاليا تعيش اليوم صراعًا بين عقل الدولة وموروث بعض التيارات السياسية، فالمصالح الاستراتيجية الإيطالية تدفع نحو دعم المغرب، لكن بعض الأصوات داخل اليسار لا تزال مرتبطة بسرديات قديمة لم تعد تنسجم مع الواقع الدولي.وتزداد الصورة تعقيدًا حين نعود إلى مسار رئيسة الحكومة جورجا ميلوني، التي مرّت بمواقف متناقضة، من زيارة المخيمات الصحراوية سنة 2000 ودعمها لتمثيلية “رصد” سنة 2007، إلى تبنّيها بعد وصولها للحكومة سياسة الغموض التي لا تميل صراحة إلى المغرب ولا تستمر في دعم الانفصاليين. ويعتبر محللون مغاربة في الجيوسياسية أن ميلوني وجدت نفسها أمام معادلة صعبة تجمع بين وضوح الموقف الأوروبي الأطلسي المؤيد للمغرب وبين الحاجة الإيطالية للغاز الجزائري، وهو ما يفسر هذا الغموض الذي تتبناه روما، لكنه غموض غير قابل للاستمرار لأن التحالفات الأوروبية أصبحت أكثر وضوحًا في دعم المغرب، ولأن المصالح الاستراتيجية الإيطالية نفسها تتجه نحو شراكات أكثر استقرارًا وفعالية مع الرباط.ويؤكد خبراء مغاربة أن الموقف المغربي هو الخيار الأكثر عقلانية لإيطاليا، لأنه ينسجم مع توجهات الاتحاد الأوروبي، ويعزز الاستقرار الإقليمي، ويتيح فرصًا اقتصادية واسعة مع بلد أصبح بوابة إفريقيا الصناعية وشريكًا موثوقًا في الطاقة المتجددة والموانئ، كما أن الخطاب الانفصالي يتراجع دوليًا بشكل واضح ولم يعد يمثل خيارًا واقعيًا. ويرى باحثون مغاربة أن المبادرة المغربية للحكم الذاتي هي الحل الوحيد الذي يحظى بدعم فعلي من القوى الكبرى، وأن تبنّيها من طرف إيطاليا سيمنح علاقات البلدين دفعة جديدة تتماشى مع التحولات الدولية.وهكذا تكشف الضجة التي أثارتها تصريحات شلاين عن صراع بين إيطاليا القديمة وإيطاليا الحديثة، بين إرث أيديولوجي يساري يعود لحقبة الحرب الباردة وبين دولة أوروبية تحتاج إلى انسجام دبلوماسي واستقرار استراتيجي. وفي هذا السياق، يصبح الموقف المغربي ليس فقط الأكثر واقعية، بل الأكثر انسجامًا مع مصالح إيطاليا نفسها، ومع مستقبل علاقاتها الأوروبية والأطلسية، ومع حاجتها إلى شراكات مستقرة في جنوب المتوسط. إن ما حدث في روما ليس مجرد نقاش داخلي، بل لحظة تكشف أن الزمن السياسي تغيّر، وأن المغرب أصبح اليوم طرفًا مركزيًا في معادلات المنطقة، وأن إيطاليا مطالبة بالخروج من دائرة الغموض واعتماد موقف واضح ينسجم مع التحولات الدولية ومع مصالحها الاستراتيجية.


Comments
0