تقديس أم احترام؟.. صورة «تقبيل اليد» تشعل النقاش: أين نحن من وسطية الإسلام؟ | m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |أخبار 24 ساعة

تقديس أم احترام؟.. صورة «تقبيل اليد» تشعل النقاش: أين نحن من وسطية الإسلام؟

مع الحدث 788X940

صورة واحدة كانت كافية لإشعال نقاش واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما تداول مستخدمون مشهداً يبدو أنه التُقط داخل مجلس ديني أو زاوية مغربية، ويظهر فيه رجال بلباس تقليدي، وشيخ جالس، فيما يبدو شخص في مقدمة الصورة منحنياً لتقبيل يده.

وبعيداً عن تفاصيل الصورة وسياقها الذي قد لا يكون واضحاً بشكل كامل، فقد أعادت المشهد إلى الواجهة سؤالاً قديماً يتجدد باستمرار: أين ينتهي احترام العلماء وتوقيرهم، وأين يبدأ الغلو في تعظيم الأشخاص؟

بين التوقير والتقديس

تقبيل يد الوالد أو العالم أو الشيخ ليس ممارسة مستحدثة في الثقافة المغربية، بل عرفته مجتمعات إسلامية وعربية مختلفة، واختلف الفقهاء في تفاصيله وشروطه بحسب السياق والنية، خصوصاً عندما يكون المقصود منه التعبير عن الاحترام والتوقير، لا العبادة أو اعتقاد امتلاك الشخص لقدرات خارقة.

غير أن الإشكال يبدأ، بحسب منتقدي هذه الممارسات، عندما يتحول احترام العالم لعلمه إلى تعظيم لشخصه، أو يتحول التوقير إلى اعتقاد في البركة الذاتية أو القدرة على النفع والضرر.

وهنا يبرز الفرق بين تقدير الإنسان لعلمه وصلاحه، وبين منحه مكانة تتجاوز حدود البشرية.

حين تخرج الصورة من الزاوية إلى مواقع التواصل

هذا النوع من المشاهد لم يعد محصوراً داخل الزوايا أو المجالس الدينية، إذ جعلت منصات التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها “تيك توك”، الصور والمقاطع المتداولة قادرة على الانتقال خلال ساعات من فضاء محلي محدود إلى نقاش مجتمعي واسع.

ومن هنا تتضاعف حساسية المشهد، خصوصاً بالنسبة إلى الأجيال الشابة التي قد تتساءل: هل النجاح ثمرة العلم والعمل والاجتهاد، أم أن “البركة” مرتبطة بالأشخاص؟

فالدين، في جوهره، يربط قيمة الإنسان بعمله وتقواه وعلمه، وليس بمجرد قربه من شخص ذي مكانة اجتماعية أو دينية.

بين الرفض والتبرير

في المقابل، يرى مدافعون عن تقبيل يد العالم أو الشيخ أن الأمر يدخل ضمن آداب الاحترام والتوقير المتوارثة في المجتمع المغربي، وأن الفعل في حد ذاته لا يعني عبادة الشخص أو اعتقاد قدرته على التصرف في شؤون الناس.

ويؤكد أصحاب هذا الرأي أن العبرة بالنية والمعتقد، وأن تقبيل اليد قد يكون مجرد تعبير عن الاحترام، كما هو الحال في بعض البيئات الاجتماعية التي تقبل فيها أيدي الوالدين وكبار السن والعلماء.

وبذلك، فإن المشكلة ــ وفق هذا التصور ــ لا تكمن في مجرد تقبيل اليد، وإنما في المعتقد الذي قد يرافق هذا السلوك إذا تحول من الاحترام إلى الغلو، أو من التوقير إلى الاعتقاد بقدرات لا يملكها إلا الله.

الوسطية هي الفيصل

في النهاية، تبدو الصورة المتداولة أكثر من مجرد لقطة عابرة؛ فهي مرآة تعكس جدلاً أوسع حول العلاقة بين التراث الديني، والاحترام، والرمزية الروحية، وحدود تعظيم الأشخاص.

فالوسطية لا تعني جلد التراث ولا تبرير كل الممارسات، وإنما تعني وضع كل شيء في موضعه.

نعم لتوقير العلماء، ولا لتقديس الأشخاص.
نعم لاحترام الكبير، ولا لتحويل البشر إلى وسطاء بين الإنسان وربه.
نعم للتراث حين يحافظ على المعنى، ولا للغلو حين يطمس حدود التوحيد.

قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾.

وفي النهاية، لا تُبنى الأوطان بكثرة الأيادي التي تُقبّل، وإنما بكثرة العقول التي تفكر، والأيادي التي تعمل، والإنسان الذي يحفظ كرامته ويعرف حدود احترامه للآخرين.

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث