في تجمع خطابي لحزب الأصالة والمعاصرة، اختارت فاطمة الزهراء توظيف اللهجة المراكشية في حديثها، مستعملة عبارة: «لقجع ما يترماش فالبحر بلا مايو».
وقد يكون المقصود من هذه العبارة، في سياقها، إضفاء نكهة مراكشية ساخرة على الخطاب، والتعبير بطريقة شعبية عن أن لقجع أحسن الاختيار عندما اختار حزب الأصالة والمعاصرة، وأن التحاقه بالحزب لم يكن بمنطق «الهبوط بالمظلة»، كما يُقال عن بعض السياسيين، وإنما جاء عن قناعة واختيار.
غير أن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل مثل هذه العبارات تليق بتجمع جماهيري سياسي يفترض أن يكون فضاءً لمناقشة قضايا المواطنين وانتظاراتهم وبرامج الأحزاب؟
فحتى إذا كان الهدف هو إضحاك الجمهور وإضفاء طابع شعبي على الخطاب، فإن استعمال تعابير من هذا النوع قد ينقل النقاش السياسي من مستوى الأفكار والبرامج إلى مستوى النكات والتلميحات الشخصية.
وربما أرادت «بنت الصالحين»، من خلال هذه الطرفة ذات النكهة المراكشية، التأكيد على أن لقجع اختار حزبه عن قناعة، ولم يكن دخوله إليه مجرد بحث عن موقع أو مكسب سياسي. وهي فكرة يمكن التعبير عنها بلغة سياسية واضحة وراقية، من دون اللجوء إلى تشبيهات قد تُفهم باعتبارها إساءة أو تراجعاً في مستوى الخطاب.
فالسياسة ليست فقط القدرة على إضحاك الجمهور، وإنما هي أيضاً القدرة على الإقناع والجدال بالحجة والبرنامج والرؤية. أما التجمعات الجماهيرية، فمن المفترض أن تكون فضاءً لعرض المشاريع ومناقشة قضايا المواطنين، لا مسرحاً للنكات والتعابير التي قد تثير الضحك للحظات، لكنها تترك وراءها أسئلة أكبر حول حدود الخطاب السياسي وأخلاقياته.
وفي زمن أصبحت فيه خطابات السياسيين تصل إلى ملايين المواطنين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، باتت الكلمة المحسوبة جزءاً من صورة السياسي والحزب معاً. لذلك، فإن المزاح السياسي قد يكون مطلوباً أحياناً لكسر جمود الخطاب وتقريب السياسي من الجمهور، لكن بشرط ألا يتحول إلى إسفاف، وألا يكون على حساب الاحترام والذوق العام.
وإذا كان الهدف هو «إطلاق النكتة المراكشية»، فالأفضل أن تبقى خفيفة وعابرة، وألا تطغى على الرسالة السياسية الأساسية. فالمطلوب في التجمعات الانتخابية ليس فقط صناعة لحظة من الضحك، بل تقديم خطاب قادر على الإقناع، وبرامج تستجيب لانتظارات المواطنين، ورسائل تحافظ على جدية العمل السياسي واحترام الجمهور.
وفي النهاية، يبقى الحكم على الخطاب السياسي مرتبطاً بقدرته على الجمع بين القرب من الناس والرصانة، وبين الطرافة والاحترام، حتى لا تتحول النكتة من وسيلة لتلطيف الخطاب إلى موضوع يطغى على مضمون الرسالة نفسها.


Comments
0