وانت تخرج من قاعة العرض بالمركب السينمائي ميغاراما فتستقبلك وجوه الحاضرين المبتسمة والمشبعة بحالة من الرضا الفني النادر.
ليس الأمر مجرد ارتياح لعرض كوميدي عابر، بل هو نشوة الاكتشاف لفيلم صنع من ابن الشعب وإلى الشعب، يحمل اسم ستايليش، هذا الاسم الذي يعود لأحد أبناء الحي المحمدي ويأتي هذا العمل السينمائي تكريما لشخصه وتخليداً لذاكرة هذا الحي العريق، المعقل التاريخي للإبداع والوعي والفن الأصيل.
يقف خلف هذا العمل ثلاثي فني استثنائي تجمعهم أواصر الأخوة والصداقة المتينة: جواد الخودي، وطارق الخالدي، وسعد التسولي. هؤلاء ليسوا مجرد أسماء تزين الملصق الإعلاني، بل هم أصدقاء درب امتدت مسيرتهم المشتركة عبر أعمال مسرحية وسينمائية وتلفزيونية كثيرة.
فرغم أن الفنان سعد التسولي هو ابن حومة “الدرب الكبير” العريقة، إلا أن روحه الفنية وتلاحمه الإنساني مع أبناء الحي المحمدي يجعلان منه الصديق والأخ الروحي لرواد هذه المجموعة. تجدهم كالإخوة الثلاثة، إذا اجتمعوا في عمل كان الناتج حتما نسيجا متكاملا وقائما على النقاش والتحليل والعمق الإبداعي، حيث يمنح انسجامهم الميداني وتاريخهم الحافل لمسة فريدة تجعل كل مشهد يتنفس صدقا وواقعية.
تتبدى عبقرية جواد الخودي في كتابة السيناريو والحوار بوضوح جلي، امتدادا لبصمته التي رسخها في فيلمه السابق نوض أو نوض. لقد عانت السينما المغربية لعقود من عقدة المشهد الأخير، حيث تتلاشى القصة وتغيب الرؤية عند نهاية الشريط.
غير أن الخودي يقدم هنا حلا سينمائياً ناضجاً بتقديم نهايات قوية وعميقة ومصوغة بذكاء فني يربط الأحداث برؤية إخراجية متماسكة، متجاوزا السقوط في النهايات النمطية أو المفتعلة.
ولكن ستايليش ليس مجرد فيلم للضحك، بل هو محاكمة فنية وقضية مجتمعية عميقة تغلفها الكوميديا السوداء والدراما المؤثرة.
يضع السيناريو وسائل الإعلام وصناع المحتوى أمام مرآة قاسية، متسائلا عن الدور التقويمي والرقابي الذي ينبغي أن تلعبه المؤسسات الإعلامية بدلا من السقوط في فخ المباشرة والمطاردة الهستيرية لـ البوز والرداءة التي تخرب الذوق العام.
وفي الوقت نفسه، يمتلك الفيلم الشجاعة ليغوص في تعرية تجار الدين والمحسنين المزيفين الذين يرتدون أقنعة البر والإحسان لاستدراج المحتاجين والضعفاء، واستغلال هشاشتهم الاجتماعية لأغراض إرهابية ومصالح ذاتية لا علاقة لها بالدين ولا بالإنسانية.
كما يلامس الفيلم بشرارة واقعية المعاناة اليومية للمواطن المغربي مع قطاع الصحة، مستعرضاً قسوة الواقع الذي يجعل الحصول على العلاج رهيناً بوجود المال أولاً.
وفي المقابل، يقدم الفيلم تحية تقدير وإجلال للأجهزة الأمنية والمخابرات المغربية وتضحياتها الجسيمة في حفظ أمان الوطن والشعب.
يبرز السيناريو تفاصيل إنسانية عميقة عن رجال الأمن الذين يواصلون الليل بالنهار ويشتغلون لأكثر من ثماني عشرة ساعة متواصلة في سبيل الوصول إلى الجناة والحقيقة، يكتفون فيها بوجبات سريعة خفيفة، وقد يضطر أحدهم للحرمان من لحظة ولادة ابنه ورؤيته فقط لأنه يحمل رسالة شريفة وواجب وطنياً أسمى من كل حسابات شخصية.
هذا المزيج المتوازن هو ما منح الفيلم قوته، فهو يجمع بين لحظات الكوميديا والمرح المتدفقة، وبين مواقف درامية شديدة التكثيف فرضت على الجمهور داخل القاعة لحظات من الصمت والانسجام التام مع توالي الأحداث.
إن فيلم ستايليش يقدم نموذجاً للسينما النبيلة التي لا تستنسخ تجارب الآخرين، بل تغرف من الخيال القوي لأبناء أحيائها الشعبية، لتصنع نسيجاً سينمائياً متكاملاً يحترم عقل المشاهد المغربي ويمنحه الابتسامة والرسالة في آن واحد.


Comments
0