المسيرة الخضراء.. حين تحوّل الإيمان بالوطن إلى ملحمة صنعت التاريخ | m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |culture

المسيرة الخضراء.. حين تحوّل الإيمان بالوطن إلى ملحمة صنعت التاريخ

IMG_20261106_162640

✍️ هند بومديان
6 نونبر 2026

ليست المسيرة الخضراء مجرد ذكرى وطنية تعود كل سنة لتستحضر حدثا من صفحات التاريخ المغربي، بل هي لحظة استثنائية اختزلت معنى الانتماء، وجسّدت قدرة الشعوب على تحويل الإيمان بالقضية الوطنية إلى قوة سلمية قادرة على صناعة التحولات الكبرى.

في السادس من نونبر سنة 1975، لم يكن المشهد مجرد حشود بشرية تعبر نحو الصحراء، بل كان تعبيرا عن إرادة جماعية، حمل فيها المغاربة المصاحف والأعلام الوطنية، واختاروا أن يجعلوا من السلم وسيلة للتعبير عن حقهم في استكمال وحدتهم الترابية.

لقد كانت المسيرة الخضراء ملحمة شعبية بامتياز، شارك فيها الرجال والنساء من مختلف مناطق المغرب، في صورة جسّدت وحدة الوجدان الوطني، وأكدت أن القضايا الكبرى لا تصنعها القرارات السياسية وحدها، بل تصنعها أيضا إرادة الشعوب ووعيها بتاريخها ومصيرها.

وبعد مرور واحد وخمسين عاما، لم تعد استعادة هذه الذكرى مقتصرة على استحضار لحظة تاريخية مشرقة، بل أصبحت مناسبة للتأمل في مسار قضية الصحراء المغربية، وما عرفته من تحولات دبلوماسية وسياسية، وما يتطلبه المستقبل من رؤية استراتيجية تجمع بين قوة الموقف، ونجاعة الدبلوماسية، والتنمية الميدانية.

إن المغرب الذي استحضر وحدته الترابية من خلال المسيرة الخضراء، يواصل اليوم الدفاع عن قضيته الوطنية بمنطق الدولة الواثقة من تاريخها، والمنفتحة على الحلول السياسية الواقعية، والمتمسكة بمبادئ السيادة والوحدة الوطنية.

غير أن الوفاء الحقيقي لروح المسيرة لا ينبغي أن يظل محصورا في الشعارات والاحتفالات والخطابات، بل يجب أن يتحول إلى التزام متجدد ببناء مغرب أكثر عدالة وتنمية، وتعزيز مكانة الأقاليم الجنوبية، وتوفير الفرص للشباب، وترسيخ شروط العيش الكريم لكل المواطنين.

فالأوطان لا تُبنى بالذاكرة وحدها، وإن كانت الذاكرة تحفظ هويتها، بل تُبنى أيضا بالعمل والمؤسسات والإنصاف، وبقدرة الأجيال الجديدة على مواصلة ما بدأته الأجيال السابقة.

إن المسيرة الخضراء لم تكن فقط مسيرة نحو الأرض، بل كانت مسيرة نحو ترسيخ معنى الوطن في الوعي الجماعي. واليوم، بعد واحد وخمسين عاما، تظل رسالتها الأعمق أن الوحدة مسؤولية مستمرة، وأن حب الوطن لا يُقاس فقط بما نحمله من شعارات، بل بما نقدمه له من عمل وإخلاص ومواطنة مسؤولة.

ستظل المسيرة الخضراء ذاكرة وطن، وشاهدا على إرادة شعب، ورمزا لمسار تاريخي يؤكد أن الأوطان التي تعرف قيمة وحدتها، تعرف أيضا كيف تصون مستقبلها.

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث