في السياسة، لا تكون كل الرسائل في الكلمات؛ فأحياناً يكون للمكان والموعد وطريقة ترتيب اللقاء ما يكفي من الدلالات التي تجعل من التفاصيل الصغيرة جزءاً من المشهد السياسي نفسه. وهذا بالضبط ما أعاد عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة الأسبق، إثارته وهو يكشف كواليس لقاء كان مرتقباً بينه وبين رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، قبل أن ينتهي الأمر إلى تأجيله.
بنكيران، المعروف بأسلوبه المباشر والعفوي في الحديث، روى أن المنصوري اتصلت به واقترحت عقد لقاء لمناقشة عدد من المستجدات السياسية، وتم تحديد الخامسة مساءً موعداً مبدئياً للاجتماع. ورغم أن التوقيت لم يكن، بحسب ما أوضح، من الأوقات التي يفضلها عادة، فإنه أبدى مرونة في التعامل مع الموعد، باعتبار أن التواصل بين القيادات السياسية يقتضي أحياناً تجاوز العادات الشخصية عندما تكون هناك حاجة إلى التشاور.
لكن المفاجأة، وفق رواية بنكيران، لم تكن في الموعد، وإنما في المكان. فقد اقترحت المنصوري أن ينعقد اللقاء في مقر حزب الأصالة والمعاصرة، وهو ما لم يلقَ موافقة بنكيران، الذي تمسك بما يعتبره من أعراف اللقاءات السياسية.
وبعبارة مباشرة، أوضح بنكيران أن من يطلب اللقاء هو من يتوجه إلى الطرف الآخر، قائلاً: «من يطلب اللقاء يأتي إليّ.. أما أنا فلم أطلب مقابلتك».
قد تبدو المسألة، للوهلة الأولى، مجرد خلاف حول مكان الاجتماع، غير أن بنكيران قدم لها قراءة مرتبطة بتجربته السياسية الطويلة، مستحضراً مرحلة توليه رئاسة الحكومة، حين كان، بحسب روايته، يبادر إلى زيارة عدد من الشخصيات والقيادات السياسية في منازلها أو مقراتها، طلباً للنصيحة والتشاور والاستفادة من تجربتها.
واستعاد في هذا السياق أسماء عبد الرحمن اليوسفي، وعباس الفاسي، والمحجوبي أحرضان، وبنسعيد آيت يدر، كما أشار إلى زيارته لمقر حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية للقاء الراحل عبد الواحد الراضي، بحضور فتح الله ولعلو.
هنا تحديداً تتحول قصة اللقاء المؤجل من مجرد واقعة بروتوكولية إلى مادة كاشفة عن الطريقة التي ينظر بها بنكيران إلى العلاقات بين القيادات السياسية. فبالنسبة إليه، لا يبدو مكان اللقاء تفصيلاً محايداً دائماً، وإنما قد يحمل، في بعض السياقات، معنى يتعلق بالمبادرة والاحترام والرمزية السياسية.
وبحسب روايته، شعر بنكيران خلال التواصل مع المنصوري بوجود نوع من الحرج، ولذلك اقترح تأجيل اللقاء إلى وقت آخر، حتى تتم ترتيباته في ظروف أكثر ملاءمة. ويضيف أنه حاول بعد ذلك الاتصال بها لتأكيد التأجيل وتفادي أي سوء فهم، غير أنه لم يتلقَّ جواباً على اتصالاته، وفق ما ذكره.
ومهما اختلفت القراءات حول الواقعة، فإنها تفتح نافذة على جانب غير ظاهر من السياسة المغربية؛ أي السياسة التي تجري خارج المنابر وخلف الأبواب المغلقة، حيث لا يكون السؤال دائماً: ماذا سيقال في الاجتماع؟ وإنما أيضاً: من يبادر؟ ومن يستقبل؟ وأين ينعقد اللقاء؟ ومن يتوجه إلى من؟
وإذا كانت السياسة الحديثة تفترض أن تجعل الحوار والتواصل فوق الاعتبارات البروتوكولية، فإن التجربة السياسية المغربية ما زالت تحتفظ بمساحة للرمزية والأعراف وموازين التقدير بين القيادات. ولذلك فإن «اللقاء المؤجل» بين بنكيران والمنصوري، كما رواه بنكيران، يكشف أكثر مما يكشفه مجرد موعد لم ينعقد؛ إذ يعكس جانباً من ثقافة سياسية يصبح فيها حتى مكان الاجتماع جزءاً من الرسالة.
ففي السياسة، قد لا يكون السؤال دائماً: ماذا قيل في اللقاء؟ أحياناً يكون السؤال الأهم: لماذا لم ينعقد اللقاء أصلاً؟


Comments
0