من شكاية تتحدث عن توقيع مطعون فيه إلى عقارات فُوّتت بأثمنة مثيرة للتساؤل.. هل تكشف التحقيقات حقيقة ما جرى داخل شركة تأسست مناصفة بين شريكين؟
تتواصل فصول قضية عقارية شائكة أمام الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء، بطلتها مديرة مكتب للهندسة الطبوغرافية ومنعشة عقارية راكمت تجربة مهنية في القطاع منذ ثمانينات القرن الماضي، قبل أن تجد نفسها وفق ما ورد في شكايتها، في مواجهة نزاع يتعلق بمصير شركتها وأصولها العقارية، في وقت تعاني فيه من مرض خطير تسبب لها في شلل تام أفقدها القدرة على الحركة.
الملف الذي تضمن اتهامات خطيرة بالتزوير واستعمال محرر مزور وخيانة الأمانة والتصرف بسوء نية في أموال شركة مشتركة، يطرح أسئلة قانونية تستدعي البحث والتدقيق، خاصة في ظل ما تقوله المشتكية بشأن تفويت حقوق عقارية دون موافقتها، وعدم توصل الشركة بحسب الشكاية، بمبالغ البيع المضمنة في العقود.
وأمام تعدد الأطراف التي تشير إليها الشكاية، من بينهم شريكها ومحافظ على الأملاك العقارية وعدول ومقاول، حيث طالبت المشتكية بإحالة الملف على الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، قسم جرائم الأموال، من أجل تعميق البحث والتحقق من الوقائع والوثائق وتحديد المسؤوليات،حتى ثبتت المخالفات موضوع الشكاية.
وفق المعطيات والوثائق التي أُشير إليها في الملف، تتهم المشتكية شريكها، الذي يشار إليه بالأحرف الأولى «م.ج»، بالاستفراد بتسيير الشركة والتصرف في أصولها خلال الفترة الممتدة من 2019 إلى 2023 مستغلاً بحسب روايتها، وضعها الصحي الذي أبعدها قسراً عن متابعة شؤونها المهنية والإدارية.
وتفيد المعطيات ذاتها بأن الشركة تأسست سنة 2003 بين شريكين يملك كل واحد منهما 50 في المائة من الأسهم، من بينهما المشتكية.
غير أن الوضع وفق ما جاء في الشكاية، تغير بعدما تدهورت حالتها الصحية، لتجد نفسها أمام عمليات تفويت تعتبرها غير قانونية، وتطعن في الوثائق التي استُعملت لتبريرها.
وتؤكد المشتكية أن شريكها عمد حسب ادعاءاتها، إلى نقل أصول وحقوق عقارية من الشركة المشتركة إلى شركة أخرى يملك جميع حصصها، دون موافقتها ودون أن تتوصل وفق ما تؤكده بأي مقابل مالي عن حقوقها.
وإذا صحت هذه الادعاءات، فإن الأمر يستدعي التحقق من سلامة القرارات التسييرية والوثائق المعتمدة في عمليات التفويت، ومدى احترام القواعد القانونية المنظمة للشركات والتصرف في ممتلكاتها.
من أبرز النقاط التي تثيرها المشتكية ، الطعن في صحة محضر جمع عام مؤرخ في 30/06/2019، تقول إنه استُخرج من المحكمة التجارية واستُعمل وثيقةً رسمية لتبرير عمليات تفويت عقارية لاحقة.
وتتهم المشتكية جهات لم تحدد مسؤوليتها النهائية بعد بتقليد توقيعها، مؤكدة أنها لم توافق على الإجراءات المنسوبة إليها في المحضر المذكور.
وتكتسي هذه النقطة أهمية خاصة في مسار القضية، لأن حسمها يقتضي التحقق من أصل الوثيقة، وظروف إعدادها واستخراجها واستعمالها، وإجراء الخبرات التقنية اللازمة على التوقيع، عند الاقتضاء، ومقارنة نتائجها بباقي المعطيات المتوفرة.
كما تثير الوثائق التي تتوفر عليها جريدة مع الحدث ، وفق ما ورد في الشكاية، تساؤلات بشأن كيفية تمثيل الشركة المشترية، بعدما تولى ابن الشريك، بحسب المعطيات المقدمة، تمثيلها بموجب وكالة صادرة عن والده، في عملية تقول المشتكية إنها أدت إلى نقل حقوق الشركة المشتركة إلى شركة مملوكة بالكامل للشريك نفسه.
وهي معطيات تستدعي فحص طبيعة العلاقات بين الشركات والأطراف المعنية، والتحقق من سلامة الوكالات والعقود، ومدى احترام الإجراءات القانونية الواجبة في مثل هذه التصرفات.
ثمن 830 درهماً للمتر المربع مقابل 1.400 إلى 1.500 درهم.. أين ذهبت الفوارق؟
من بين المعطيات الرقمية التي تستند إليها الشكاية، ما يتعلق بعمليات عقارية مرتبطة بالرسم العقاري رقم 14994/C، إذ تشير الوثائق، بحسب ما ورد في الملف، إلى أن الشركة المعنية اقتنت خلال سنة 2022 أجزاءً من عقار مملوك للغير بأثمان تراوحت بين 1.400 و1.500 درهم للمتر المربع.
وفي المقابل تفيد الشكاية بأن حقوقاً عقارية للشركة المشتركة في العقار نفسه فُوّتت إلى شركة أخرى بثمن لا يتجاوز 830 درهماً للمتر المربع.
هذا التفاوت في الأثمان يطرح تساؤلات بشأن الأسس التي حُددت على أساسها قيمة التفويت، وطبيعة الحقوق العقارية المعنية، ومدى قابلية العمليات للمقارنة من حيث المساحة والوضعية القانونية والعناصر المؤثرة في القيمة السوقية.
ومن الناحية القانونية لا يكفي اختلاف الثمن وحده لإثبات وجود جريمة، لكنه يظل معطى يستوجب التدقيق، خاصة إذا اقترن بقرائن أخرى تتعلق بسلامة الوثائق، وموافقة الشركاء ومآل المبالغ المالية الناتجة عن البيع.
وتقول المشتكية إن هذه العمليات أضرت بمصالح الشركة المشتركة، وحققت منفعة للشركة التي تعود ملكيتها بالكامل إلى شريكها، وهي ادعاءات يبقى التحقق منها رهيناً بما ستسفر عنه الأبحاث والخبرات والإجراءات القضائية.
ثمن البيع لم يدخل الحساب البنكي للشركة؟
لا تقف الشكاية عند حدود الطعن في محضر الجمع العام أو إثارة مسألة اختلاف الأثمان، بل تتحدث أيضاً عن عدم إيداع المبالغ المضمنة في عقود البيع بالحساب البنكي للشركة التي كانت تملك العقارات موضوع التفويت.
وإذا تأكدت هذه المعطيات من خلال مراجعة العقود والكشوفات البنكية والقيود المحاسبية، فإنها قد تساعد على تحديد المسار المالي للمبالغ موضوع النزاع، والكشف عن المستفيد الفعلي منها، ومدى احترام الالتزامات المرتبطة بتدبير أموال الشركة.
وتطالب المشتكية بالتحقق من هذه الجوانب، معتبرة أن الوقائع التي تعرضها لا تتعلق بخلاف تجاري عادي فحسب، بل بشبهات تستدعي، بحسب تقديرها، بحثاً شاملاً في الجوانب العقارية والمالية والتوثيقية للملف.
من سنة 2011 إلى شكاية 30 دجنبر 2024.. سنوات من الانتظار
وبحسب رواية المشتكية، انقطع شريكها «م.ج» عن التواصل معها منذ سنة 2011، في وقت كانت فيه تعاني من وضع صحي صعب، ما جعلها، وفق إفادتها، بعيدة عن تدبير شؤون الشركة ومتابعة معاملاتها.
كما تشير الوثائق التي استند إليها الملف إلى أن آخر تصريح ضريبي للشركة يعود إلى 31/12/2019، وهو تاريخ تعتبره المشتكية محطة أساسية لفهم التطورات التي أعقبت ذلك، وصولاً إلى عمليات التفويت التي تقول إنها تمت خلال الفترة الممتدة من 2020 إلى 2023.
أما الشكاية الجنائية الأولى، فقد وُضعت بتاريخ 30 دجنبر 2024، وفق المعطيات المقدمة، بينما تؤكد المشتكية أنها لم تتوصل، إلى حدود عرضها للملف، بنتائج ملموسة تنهي حالة الانتظار التي تعيشها.
وتضيف أنها تقدمت بشكايات أخرى، وأن الأبحاث المتعلقة بها ما تزال بحسب إفادتها، تُنجز لدى العنصر الأمني نفسه بقسم الشرطة القضائية، وهو ما يدفعها إلى المطالبة بإعادة النظر في طريقة معالجة الملف، بالنظر إلى تعدد الوقائع والأطراف المشتبه في تورطها.
هل تستدعي طبيعة الملف إحالة البحث على الفرقة الوطنية؟
في ختام مطالبها، تلتمس المشتكية تدخلاً يضمن السير العادي للمسطرة، ويسرّع التحقق من الوقائع التي أوردتها، مع المطالبة بإحالة القضية على الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، قسم جرائم الأموال.
وتستند في مطلبها إلى تعدد الشبهات المثارة، وتشابك الجوانب العقارية والمالية والتوثيقية، ووجود أطراف تصفهم شكايتها بأنهم ذوو صلة بعمليات التفويت، من بينهم شريكها ومحافظ على الأملاك العقارية وعدول ومقاول.
ويبقى هذا الطلب في نهاية المطاف، ملتمساً صادراً عن المشتكية، بينما تظل مسألة الإحالة وتحديد الجهة المختصة بتعميق البحث من اختصاص السلطات القضائية والأمنية وفقاً للقانون.
إن جوهر القضية لا يتوقف عند اتهام طرف لطرف آخر، بل يتعلق بأسئلة دقيقة حول صحة الوثائق، وسلامة التفويتات، ومآل الأموال، وحماية حقوق الشركاء.
وهي أسئلة لا يمكن حسمها إلا بتحقيق جدي ومحايد، يستمع إلى جميع الأطراف ويفحص الوثائق والعقود والمعاملات المالية، بعيداً عن الأحكام المسبقة.
وفي انتظار ما ستكشف عنه المسطرة القضائية، تظل المشتكية متمسكة بمطالبها، بينما يبقى واجب التحقق من الاتهامات وضمان قرينة البراءة لجميع الأطراف أساساً لأي معالجة مسؤولة لهذا الملف.


Comments
0