مع احتدام السباق الانتخابي واقتراب موعد الاقتراع، تتجه أنظار الشارع المغربي إلى الحملات الانتخابية واللقاءات التواصلية والخطابات والوعود التي تتنافس الأحزاب والمرشحون على تقديمها للناخبين. غير أن ملفاً اقتصادياً واجتماعياً لا يقل أهمية يواصل فرض نفسه في الخلفية، ويتعلق بالارتفاع المتواصل في أسعار المحروقات وانعكاساته المباشرة على القدرة الشرائية، وتكاليف النقل والإنتاج والخدمات.
فمنذ بداية شتنبر، دخلت أسعار المحروقات مرحلة جديدة من الارتفاع، بعدما زاد سعر الغازوال، في فاتح الشهر، بنحو 6 سنتيمات للتر، قبل أن تُسجَّل زيادة أخرى ابتداءً من 16 شتنبر، بلغت 34 سنتيماً بالنسبة إلى الغازوال و27 سنتيماً بالنسبة إلى البنزين. ووفق الأسعار المنشورة عقب هذه المراجعة، أصبح سعر الغازوال يتراوح، بحسب المحطة، بين نحو 15.30 و15.45 درهماً للتر، فيما تجاوز سعر البنزين عتبة 15.20 درهماً في عدد من محطات التوزيع.
ولا يقتصر اللافت في هذه الموجة الجديدة على ارتفاع الأسعار، بل يشمل أيضاً تقلص الفارق بين الغازوال والبنزين إلى مستويات محدودة. فقد ظل الغازوال، لسنوات، يُنظر إليه باعتباره خياراً أقل كلفة بالنسبة إلى شريحة واسعة من مستعملي السيارات والمهنيين، ولا سيما العاملين في النقل ونقل البضائع والخدمات المرتبطة باللوجستيك. أما اليوم، فقد أصبح الفارق بين النوعين ضئيلاً في عدد من المحطات، بل إن الغازوال بات، في بعض الحالات، أغلى من البنزين.
ويمتد أثر هذا التحول إلى ما هو أبعد من أصحاب السيارات الخاصة، ليشمل قطاعات اقتصادية ترتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بتكلفة الوقود. فكل زيادة في أسعار المحروقات ترفع كلفة النقل المحتملة، وتوزيع السلع، والخدمات، والتنقل، بما قد ينعكس على أسعار عدد من المواد والخدمات التي يتحمل المستهلك كلفتها بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
وتأتي هذه التطورات في ظرف انتخابي حساس، تستحوذ فيه الحملات واللقاءات الحزبية على حيز واسع من النقاش العمومي. وفي خضم هذا المشهد، يبرز تساؤل بشأن موقع ملف المحروقات في البرامج والخطابات الانتخابية، ومدى حضور تداعياته على الحياة اليومية للمواطنين والمهنيين.
فالمواطن الذي يستمع إلى وعود بتحسين ظروف العيش، ودعم القدرة الشرائية، وتشجيع الاستثمار، وتوفير فرص الشغل، يواجه في المقابل واقعاً يتمثل في ارتفاع كلفة التنقل، وتزايد مصاريف النقل، وضغوط إضافية على ميزانية الأسر والمهنيين.
وترتبط أسعار المحروقات في المغرب بعدة عوامل، من بينها تطورات السوق الدولية للنفط، وتكاليف المنتجات المكررة، وسعر الصرف، وغيرها من المحددات المؤثرة في السوق. كما أن سوق المحروقات لم تعد خاضعة لنظام الأسعار الإدارية السابق، إذ تُحدد الأسعار وفق آليات السوق، مع تسجيل تفاوتات بين المدن والشركات ومحطات التوزيع.
ومن ثم، فإن النقاش لا يتعلق فقط بارتفاع الأسعار في حد ذاته، بل يمتد إلى مدى قدرة السياسات العمومية على الحد من آثار التقلبات الخارجية، وحماية القدرة الشرائية، وتقليص انتقال الزيادات في تكلفة الوقود إلى قطاعات النقل والإنتاج والتوزيع.
وفي هذا السياق، يجد مهنيو قطاع النقل أنفسهم في مواجهة مباشرة مع تداعيات ارتفاع أسعار المحروقات. وكانت وزارة النقل واللوجستيك قد أعلنت، يوم 18 شتنبر، عن إطلاق شطر جديد من الدعم الاستثنائي المباشر لفائدة مهنيي النقل الطرقي للأشخاص والبضائع، في ظل استمرار ارتفاع أسعار الوقود.
غير أن الدعم الظرفي، مهما كانت أهميته في التخفيف من الأعباء، يعيد طرح سؤال أوسع حول طبيعة الحلول المعتمدة على المدى الطويل: هل تكفي الإجراءات المؤقتة لمواجهة كل موجة ارتفاع، أم أن المرحلة تستدعي إعادة النظر في السياسة الطاقية والنقلية، وآليات حماية المستهلك والمهنيين من تقلبات السوق؟
وبينما ينشغل المشهد السياسي بالمنافسة الانتخابية، تواصل أسعار المحروقات التأثير في تفاصيل الحياة اليومية، من التنقل إلى نقل السلع والخدمات. فارتفاع تكلفة الوقود قد يتحول، عبر سلاسل النقل والتوزيع والإنتاج، إلى ضغط إضافي على تكاليف المعيشة.
وتتمثل إحدى أبرز ملامح الوضع الحالي في تقلص الفارق السعري بين الغازوال والبنزين، بعدما ظل الأول لسنوات يُعد خياراً أقل كلفة بالنسبة إلى فئات واسعة من المستعملين والمهنيين. وهو تحول يتجاوز مجرد تسجيله في نشرات الأسعار، ليطرح أسئلة اقتصادية واجتماعية حول كلفة التنقل والإنتاج، وأسئلة سياسية بشأن موقع هذا الملف ضمن أولويات السياسات العمومية.
ويبقى التعامل مع تقلبات أسعار المحروقات من الملفات التي ستفرض نفسها على الحكومة المقبلة، سواء من خلال تدبير الارتفاعات عند وقوعها، أو عبر بلورة تصور أكثر استدامة للتخفيف من آثار تقلبات الأسواق الدولية على المواطن والمهني والاقتصاد الوطني.


Comments
0