نظمت جمعية التعايش للثقافة والفن9 شتنبر 2026 بمركز الثقافي تطوان 10 شتنبر بقصر الفنون طنجة.
في تجربة مسرحية تحمل الكثير من الرمزية والاشتغال على الأسئلة الإنسانية، يأتي العمل المسرحي «أطرش في الزفة» ليضع المتلقي أمام حكاية تتجاوز حدود المكان والشخصيات، وتفتح نقاشاً حول الذاكرة والهوية والتقاليد وآثار الماضي في تشكيل الحاضر.

تنطلق خيوط الحكاية داخل فضاء مغلق وبارد وشديد الدلالة؛ المستشفى، الذي لا يظهر باعتباره مجرد مكان للعلاج أو محطة عابرة في حياة الشخصيات، وإنما يتحول إلى ما يشبه «المطهر الزمني»، حيث تتوقف الحركة الخارجية لتبدأ رحلة أعمق نحو الداخل، وتطفو الأسئلة والهواجس والأشباح التي تحملها الشخصيات في ذاكرتها.

في هذا الفضاء الاستثنائي، يلتقي حميد المقدم، رجل السلطة الذي تحكمه إلهامات استعمارية ويظهر ببدلة كلاسيكية، مع عائشة، المرأة المتجذرة في التقاليد الإسلامية والتي تحضر بزي تقليدي. ومن خلال هذا اللقاء المفاجئ، يضع العمل شخصيتين تنتميان إلى مرجعيات مختلفة أمام بعضهما البعض، لتبدأ مواجهة لا تعتمد على الصدام المباشر بقدر ما تقوم على الحكاية واستحضار الماضي وكشف ما تخفيه الذاكرة.
ولا يبدو اختلاف المظهر الخارجي بين الشخصيتين مجرد اختيار جمالي، بل يحمل وظيفة رمزية واضحة. فبدلة حميد المقدم وإيحاءاتها المرتبطة بالسلطة والتأثير الاستعماري، مقابل الزي التقليدي لعائشة، يرسمان منذ البداية ملامح مواجهة بين تصورات مختلفة للذات والمجتمع والتاريخ.غير أن «أطرش في الزفة» لا يقدم هذه المواجهة في شكل ثنائية بسيطة بين طرفين، بل يدفع الشخصيات إلى مساءلة ذواتها أيضاً. فالمستشفى، باعتباره فضاءً مغلقاً، يعزل الشخصيات عن العالم الخارجي ويمنح الحوار طابعاً أقرب إلى الاعتراف، بينما تتحول الحكايات التي يتبادلانها إلى وسيلة لاستحضار الماضي ومواجهة ما تركه من آثار.
من الحكاية إلى السؤال
تكمن قوة العمل في أنه لا يكتفي بسرد حكاية محددة، وإنما يجعل من الحكاية مدخلاً إلى أسئلة أكبر حول الإنسان والمجتمع والذاكرة. فالشخصيات لا تتحدث فقط عن نفسها، بل تبدو في لحظات كثيرة وكأنها تحمل تاريخاً كاملاً من التناقضات والتحولات.
ويمنح هذا الاختيار المسرحي للمتلقي فرصة للتأمل بدل تقديم أجوبة جاهزة؛ إذ يصبح السؤال جزءاً من العرض، وتصبح الشخصيات نفسها مساحة لاختبار الأفكار والمواقف.
كما أن عنوان المسرحية «أطرش في. الزفة» يحمل بدوره دلالة لافتة؛ فـ«الأطياف» تحيل إلى ذكريات وأشخاص وأفكار لا تختفي بسهولة، بينما يوحي «الزقاق» بمكان ضيق ومحدود، لكنه في العمل يتحول إلى فضاء واسع لاستحضار الماضي ومساءلة الحاضر.

مسرح يقوم على الرمز
ويبدو الاشتغال على الصورة والملابس والفضاء جزءاً أساسياً من البناء الدرامي للعمل، إلى جانب الأداء والحوار. فكل عنصر يبدو قابلاً للقراءة على أكثر من مستوى، وهو ما يمنح المسرحية طابعاً تأملياً يجعل المشاهد شريكاً في تفكيك الرموز وليس مجرد متلقٍ للحكاية.
وتبرز في الوثيقة التعريفية للعمل أسماء الطاقم الفني والإبداعي، من بينها عدنان قونين في التأليف والإخراج، إلى جانب أسماء الفنانين والتقنيين المشاركين في إنجاز العمل، بما يعكس تكاملاً بين الرؤية الإخراجية والأداء والسينوغرافيا والموسيقى والإضاءة والتواصل.
في النهاية، تقدم «أطرش في الزفة» تجربة مسرحية تشتغل على منطقة حساسة بين الماضي والحاضر، السلطة والذاكرة، التقليد والتحول، والفرد وما يحمله من موروثات وأشباح داخلية.
إنها حكاية تبدأ داخل مستشفى، لكنها سرعان ما تغادر جدرانه لتصل إلى مكان أكثر اتساعاً: الذاكرة الإنسانية؛ حيث لا يكفي أن نعالج الجسد، لأن بعض الجراح تظل مفتوحة في الداخل، تنتظر لحظة مواجهة الحكاية التي صنعتها.


Comments
0