✍️هند بومديان
الدخول المدرسي في زمن الأزمة…
حين تصبح المدرسة امتحاناً للأسرة قبل أن تكون امتحاناً للتلميذ
مع كل دخول مدرسي، يعود المشهد نفسه، لكن بثقل أكبر.
أطفال ينتظرون بداية موسم جديد، آباء وأمهات أمام لوائح طويلة من الكتب والدفاتر والملابس واللوازم، وأسر تعيد ترتيب ميزانيتها على أمل أن تمر الأسابيع الأولى بأقل قدر من الضغط.
غير أن الدخول المدرسي لم يعد مجرد محطة تربوية في حياة الأسر المغربية. لقد أصبح، بالنسبة إلى كثير منها، اختباراً اقتصادياً واجتماعياً قاسياً.
ففي الوقت الذي نتحدث فيه عن حق الطفل في التعليم، نجد أسراً تجد نفسها مضطرة إلى الاختيار بين حاجات أساسية متعددة: مصاريف المدرسة، النقل، التغذية، العلاج، السكن، أو حتى مواجهة ارتفاع تكاليف الحياة اليومية.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى:
كيف يمكن أن نتحدث عن تكافؤ الفرص داخل المدرسة، بينما لا تدخل كل الأسر إلى المدرسة من النقطة الاجتماعية والاقتصادية نفسها؟
التلميذ لا يصل إلى القسم وحده؛ يصل ومعه ظروف أسرته.
هناك من يدخل المدرسة محاطاً بالدعم، والدروس الإضافية، والوسائل الرقمية، والهدوء داخل المنزل، وهناك من يصل إليها بعد رحلة طويلة في النقل، أو في ظروف أسرية صعبة، أو دون أبسط الإمكانيات التي تساعده على متابعة دراسته.
وهذا الفارق لا يظهر دائماً في اليوم الأول، لكنه يظهر لاحقاً في النتائج، وفي نسب التعثر، وفي الهدر المدرسي، وفي قدرة كل طفل على الاستمرار.
حين يتحول التعليم إلى عبء مالي
المشكلة ليست فقط في ارتفاع تكلفة اللوازم المدرسية.
إنها في تراكم التكاليف.
الكتاب، الدفتر، الأدوات، الملابس، النقل، التغذية، الأنشطة، ثم الدروس الإضافية بالنسبة إلى من يستطيع تحملها.
وبذلك لم تعد الأسرة تدفع فقط من أجل أن يدرس ابنها، بل تدفع أيضاً من أجل أن تضمن له فرصة منافسة أبناء الأسر الأكثر قدرة.
وهنا يجب أن نطرح السؤال الذي قد يكون أكثر إزعاجاً:
هل المدرسة العمومية ما زالت قادرة وحدها على ضمان تكافؤ الفرص؟
إذا كان الجواب نعم، فلماذا يشعر عدد متزايد من الأسر أن النجاح الدراسي يحتاج إلى ما هو أبعد من المدرسة؟
ولماذا أصبحت الدروس الخصوصية بالنسبة إلى بعض الأسر ضرورة وليست اختياراً؟
المشكلة هنا ليست في الأستاذ وحده، ولا في الأسرة وحدها، ولا في التلميذ.
إنها مشكلة منظومة كاملة.
الأزمة ليست في الدخول المدرسي… بل في ما يكشفه
الدخول المدرسي يكشف كل سنة شيئاً نحاول أحياناً ألا نراه.
يكشف الفوارق الاجتماعية.
يكشف هشاشة جزء من الطبقة المتوسطة.
يكشف معاناة الأسر محدودة الدخل.
يكشف تفاوت جودة التعليم بين المناطق والمؤسسات.
ويكشف أيضاً أن المدرسة لا تعمل بمعزل عن المجتمع؛ فهي تستقبل أبناء المجتمع بكل تناقضاته وفوارقه.
لهذا فإن إصلاح التعليم لا يمكن أن يبدأ من القسم وينتهي عند السبورة.
إصلاح التعليم يبدأ أيضاً من السياسة الاجتماعية، ومن النقل، ومن التغذية المدرسية، ومن محاربة الهدر المدرسي، ومن تحسين ظروف المدرس، ومن دعم الأسرة، ومن توفير بيئة تسمح للطفل بأن يتعلم دون أن يكون الفقر عائقاً أمامه.
وماذا عن الأستاذ؟
وسط كل هذا النقاش، غالباً ما ننسى طرفاً أساسياً في المعادلة: المدرس.
نطالبه بتكوين جيل قادر على التفكير والإبداع والمنافسة، بينما نضعه أحياناً أمام أقسام مكتظة، وضغوط مهنية وإدارية، وفوارق كبيرة بين مستويات التلاميذ.
لا يمكن أن نطلب من الأستاذ أن يصنع المعجزات داخل منظومة تحتاج هي نفسها إلى إعادة بناء.
كما لا يمكن أن نحمل الأسرة وحدها مسؤولية نجاح أبنائها، خصوصاً عندما تكون الأسرة نفسها في مواجهة ضغوط اقتصادية واجتماعية متزايدة.
الطفل هو الطرف الذي لا يملك حق الاختيار
في النهاية، هناك طفل يجلس في القسم.
لا يعرف شيئاً عن المؤشرات الاقتصادية، ولا عن ميزانية الأسرة، ولا عن السياسات العمومية.
كل ما يريده هو فرصة عادلة.
أن يجد معلماً قادراً على تعليمه، ومدرسة تحفظ كرامته، ووسائل تساعده على التعلم، وبيئة لا تجعله يشعر بأن مستقبله مرتبط بقدرة والديه على الإنفاق.
وهنا يجب أن نتوقف طويلاً:
إذا كان التعليم هو الطريق الأكثر عدلاً للخروج من الفقر، فماذا يحدث عندما يصبح الفقر نفسه عائقاً أمام الوصول إلى تعليم جيد؟
هذه ليست مجرد مشكلة موسمية تظهر في شهر شتنبر.
إنها قضية مستقبل.
لأن كل طفل يتعثر اليوم في المدرسة قد يصبح غداً شاباً خارج سوق العمل، أو عاطلاً، أو فاقداً للثقة في مؤسسات مجتمعه.
وكل طفل يحصل على تعليم جيد هو في المقابل استثمار في مستقبل المجتمع كله.
لذلك، ربما حان الوقت لكي نتوقف عن النظر إلى الدخول المدرسي باعتباره مجرد موعد سنوي لشراء الكتب والدفاتر.
الدخول المدرسي يجب أن يكون موعداً سنوياً لمساءلة منظومتنا التعليمية والاجتماعية أيضاً.
هل وفرنا لكل طفل فرصة عادلة؟
هل خففنا العبء عن الأسرة؟
هل جعلنا المدرسة العمومية قادرة على المنافسة والجودة؟
هل أنصفنا المدرس؟
وهل ما زلنا نؤمن فعلاً بأن المدرسة يمكن أن تكون المصعد الاجتماعي الذي يصعد به أبناء الفئات الهشة إلى مستقبل أفضل؟
لأن القضية في النهاية ليست كم أنفقت الأسرة على الدخول المدرسي.
القضية هي:
هل يستطيع ابن الأسرة الفقيرة أن يحلم بالمستقبل نفسه الذي يحلم به ابن الأسرة الميسورة؟
إذا كانت الإجابة غير واضحة، فالمشكلة ليست في الدخول المدرسي.
المشكلة في المدرسة التي نريدها، وفي المجتمع الذي نريد أن نبنيه.


Comments
0