الأوراق الملغاة بجهة الشرق.. غضب شعبي أم عقاب انتخابي؟ | m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |أخبار 24 ساعة

الأوراق الملغاة بجهة الشرق.. غضب شعبي أم عقاب انتخابي؟

مع الحدث ma3alhadet

لم تنتهِ انتخابات 23 شتنبر 2026 بجهة الشرق عند حدود إعلان أسماء الفائزين وتوزيع المقاعد البرلمانية، بل خلفت وراءها أرقاماً انتخابية تستحق الكثير من التأمل، في مقدمتها عدد الأوراق الملغاة وغير المحتسبة.

ففي الوقت الذي انشغل فيه المشهد السياسي بقراءة الخريطة الجديدة للمقاعد، بدأت أرقام الأوراق غير المحتسبة تفرض نفسها كمعطى لا يقل أهمية عن الأصوات التي حصلت عليها الأحزاب والمرشحون. وعلى المستوى الوطني، سجل وفد الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا الذي تابع الانتخابات ارتفاعاً في عدد الأوراق الملغاة والبيضاء، بالتزامن مع نسبة مشاركة بلغت 38.02 في المائة، معتبراً أن ضعف المشاركة يطرح تحديات مرتبطة بالثقة والتمثيلية السياسية.

وفي جهة الشرق، تبرز دائرة الدريوش بشكل خاص، بعدما بلغ عدد الأوراق الملغاة وغير المحتسبة 6,982 ورقة، وفق المعطيات النهائية المنشورة حول الدائرة. والأكثر إثارة أن هذا الرقم أصبح قريباً جداً من رصيد الحزب الذي ظفر بالمقعد الثالث، إذ حصل حزب الاستقلال على 6,873 صوتاً، بينما تصدر التجمع الوطني للأحرار بـ8,613 صوتاً، يليه حزب الأصالة والمعاصرة بـ8,221 صوتاً.

وبلغة الأرقام، بلغ عدد المصوتين في الدريوش 43,348 ناخباً من أصل 131,274 مسجلاً، بنسبة مشاركة بلغت 33.23 في المائة. وهذا يعني أن الأوراق الملغاة شكلت كتلة انتخابية كبيرة ضمن مجموع الأصوات المدلى بها، بما يجعلها رقماً يصعب تجاهله في أي قراءة لنتائج الدائرة.

ولا يتوقف الأمر عند الرقم الإقليمي، إذ سجلت جماعة بن الطيب وحدها 986 ورقة ملغاة، أي ما يقارب 14 في المائة من مجموع الأوراق الملغاة بالإقليم، وهو معطى يفتح الباب أمام البحث في طبيعة هذه الأوراق والأسباب التي أدت إلى إلغائها.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو: هل يمكن قراءة كل هذه الأوراق الملغاة باعتبارها شكلاً من أشكال الغضب الشعبي؟

الجواب العلمي والصحفي لا يمكن أن يكون بنعم أو لا.

فالورقة الملغاة ليست بالضرورة ورقة احتجاج. فقد تكون نتيجة خطأ غير مقصود من الناخب، أو عدم فهم طريقة التصويت، أو وضع علامة أو أكثر بطريقة تجعل الورقة غير محتسبة. وقد تكون، في حالات أخرى، اختياراً متعمداً من ناخب قرر المشاركة في العملية الانتخابية، لكنه لم يرغب في منح صوته لأي من الخيارات المطروحة.

ومن هنا تبرز فرضية ثانية ذات طابع سياسي: هل تحولت الورقة الملغاة لدى جزء من الناخبين إلى وسيلة للعقاب الانتخابي؟

هذه الفرضية لا يمكن إثباتها من خلال الرقم وحده، لكنها تستحق البحث، خصوصاً عندما تصبح كتلة الأوراق الملغاة قريبة من الأرصدة التي حصلت عليها لوائح حزبية فائزة أو منافسة.

وفي دائرة الناظور، برزت واقعة مختلفة، لكنها تكشف بدورها أهمية التدقيق في أرقام الأوراق الملغاة. فقد أشارت معطيات صحفية إلى إلغاء أكثر من 600 صوت من رصيد المرشح محمد أبرشان، وهو ما ساهم، وفق تلك المعطيات، في تراجعه إلى 7,153 صوتاً وخروجه من المقاعد الأربعة، في حين تراوحت نتائج أصحاب المراتب المتقدمة بين 7,293 و13,456 صوتاً.

وهنا تبرز ضرورة التمييز بين إلغاء أصوات مرشح معين وبين المجموع الإجمالي للأوراق الملغاة في الدائرة، لأن الرقمين لا يحملان الدلالة نفسها.

وفي بركان، تظهر المعطيات النهائية المنشورة رقماً آخر يستحق الدراسة، إذ بلغ عدد المصوتين 56,963، بينما وصلت الأصوات المعبر عنها إلى 47,564، وسجلت 9,399 ورقة ملغاة. وهو ما يؤكد أن كتلة الأوراق غير المحتسبة ليست هامشية في هذه الدائرة أيضاً.

وإذا كانت هذه الأرقام تعكس شيئاً، فإنها تعكس، قبل كل شيء، الحاجة إلى التوقف عند علاقة الناخب بالعملية الانتخابية نفسها. فالانتخابات لا تختزل في عدد الأصوات التي حصل عليها الحزب الفائز، وإنما تشمل أيضاً عدد الذين لم يصوتوا، وعدد الذين أدلوا بأوراق بيضاء أو ملغاة، وطبيعة المشاركة في المدن والقرى، والفوارق بين الدوائر الانتخابية.

وهنا تصبح المقارنة بين الدوائر أكثر أهمية. فقد سجلت جهة الشرق تفاوتاً واضحاً في نسب المشاركة؛ إذ أشارت المعطيات المنشورة ليلة الاقتراع إلى نسب بلغت 38.60 في المائة بجرسيف، وحوالي 37.89 في المائة ببركان، و33.02 في المائة بالدريوش، و30.06 في المائة بتاوريرت، بينما بلغت نسبة المشاركة في وجدة أنكاد 25.39 في المائة.

وهذا التفاوت يطرح سؤالاً أوسع: هل ارتفاع عدد الأوراق الملغاة مرتبط بضعف الثقة في الأحزاب والمرشحين، أم أن الأمر يرتبط أساساً بخصوصيات عملية التصويت ومستوى فهم قواعدها والتأطير الانتخابي؟

الإجابة الدقيقة تحتاج إلى النزول إلى مستوى محاضر مكاتب التصويت، وليس الاكتفاء بالنتائج الإجمالية. فإذا أظهرت المعاينات وجود أنماط متكررة في الأوراق الملغاة يمكن أن تشير إلى اختيار متعمد لإبطالها، فقد تطرح فرضية السلوك الاحتجاجي نفسها بقوة أكبر. أما إذا كانت أسباب الإلغاء مرتبطة بأخطاء في وضع العلامات أو بطريقة ملء الورقة، فإن تفسيرها باعتبارها «غضباً شعبياً» سيظل مجرد قراءة سياسية لا يسندها الدليل الكافي.

والأهم من ذلك أن العقاب الانتخابي لا يكون بالضرورة عبر الورقة الملغاة. فقد يعبر الناخب عن رفضه لحزب أو مرشح بالامتناع عن التصويت، أو بالتصويت لمنافس، أو بتغيير اختياره مقارنة بالانتخابات السابقة. ولذلك فإن وضع الأوراق الملغاة داخل سياق النتائج الكاملة هو وحده الذي يمكن أن يساعد على فهم دلالتها السياسية.

في الدريوش، مثلاً، لا يمكن تجاهل أن 6,982 ورقة ملغاة كانت أكثر من رصيد حزب الاستقلال، الذي فاز بالمقعد الثالث بـ6,873 صوتاً. لكن لا يمكن، في المقابل، تحويل هذا الفرق الحسابي إلى استنتاج مفاده أن 6,982 ناخباً كانوا يعاقبون الأحزاب أو يحتجون عليها.

وهنا تكمن المفارقة: الصندوق لا يتحدث فقط من خلال الأصوات الصحيحة، وإنما أيضاً من خلال الامتناع والورقة البيضاء والورقة الملغاة. غير أن قراءة هذه المؤشرات تحتاج إلى أدوات أكثر دقة من مجرد التعامل مع الأرقام الخام.

فهل نحن أمام ناخب لم يعد يجد نفسه في الخيارات السياسية المعروضة؟ أم أمام ضعف في فهم قواعد التصويت؟ أم أمام احتجاج صامت على الوعود الانتخابية السابقة؟ أم أن الأمر يتعلق بمزيج من هذه العوامل وغيرها؟

أسئلة ستظل مفتوحة إلى حين تحليل محاضر التصويت، ومعرفة طبيعة الأوراق الملغاة وأسباب إلغائها، ومقارنتها بنسبة المشاركة ونتائج الأحزاب والفوارق بين المرشحين.

لكن المؤكد أن 6,982 ورقة ملغاة في الدريوش، و9,399 في بركان، وما رافق انتخابات الناظور من إلغاء مئات الأصوات من رصيد أحد المرشحين، ليست أرقاماً ينبغي أن تمر مرور الكرام. إنها معطيات تستحق أن تدخل في صلب النقاش السياسي بعد انتخابات 23 شتنبر، لا باعتبارها دليلاً جاهزاً على وجود غضب شعبي، وإنما باعتبارها مؤشرات تحتاج إلى تفسير وتحليل.

فالانتخابات لا تنتهي بإغلاق صناديق الاقتراع، بل تبدأ بعدها مرحلة أخرى لا تقل أهمية: قراءة ما قاله الناخبون، وما لم يقولوه، وما كتبوه على أوراقهم، وما جعلوه أوراقاً بلا أثر انتخابي.

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث