الإبداع في زمن الذكاء الاصطناعي: هل يواكب القانون المغربي تحولات حقوق المؤلف؟ | m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |متفرقات

الإبداع في زمن الذكاء الاصطناعي: هل يواكب القانون المغربي تحولات حقوق المؤلف؟

IMG-20261027-WA0005

في غضون سنوات قليلة، انتقل الذكاء الاصطناعي التوليدي من دائرة الخيال العلمي إلى واقع يفرض نفسه على الصناعات الثقافية والإبداعية، ويعيد طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة الإبداع وملكية المصنفات وحدود الحماية القانونية. فأدوات مثل ChatGPT وSuno أصبحت قادرة على المساهمة في كتابة المقالات، وإنتاج الصور، وتأليف الأغاني، وتوليد الألحان في وقت وجيز، وهو ما فتح آفاقاً جديدة أمام المبدعين، لكنه في المقابل أفرز تحديات قانونية وأخلاقية لا تزال تبحث عن أجوبة واضحة.

وفي قلب هذا التحول، يبرز سؤال أساسي: من يملك حقوق المصنف الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي؟ وهل تكفي مساهمة الإنسان في توجيه الآلة واختيار نتائجها لمنحه صفة المؤلف؟ ثم كيف يمكن حماية حقوق أصحاب الأعمال التي تُستخدم لتدريب هذه الأنظمة، في ظل تطور تقني يتجاوز أحياناً سرعة التشريعات وآليات إنفاذها؟

الإنسان والآلة: أين تبدأ المساهمة الإبداعية؟

من الأخطاء الشائعة في النقاش حول الذكاء الاصطناعي التعامل مع المصنفات المولدة آلياً باعتبارها نتاجاً مستقلاً تماماً عن الإنسان، أو اعتبار كل محتوى تنتجه هذه الأدوات إبداعاً بشرياً بالضرورة. والحقيقة أن العلاقة بين الطرفين أكثر تعقيداً من ذلك.

فالأنظمة التوليدية تعتمد على نماذج وخوارزميات تُدرَّب على كميات كبيرة من البيانات، ثم تنتج محتوى استناداً إلى التعليمات والسياق والأنماط التي تعلمتها. وفي المقابل، يمكن للإنسان أن يساهم في العملية الإبداعية من خلال صياغة الفكرة، وكتابة الكلمات، وتحديد التوجه الفني، وتطوير التعليمات، واختيار النتائج، وإعادة تحريرها أو تركيبها وتعديلها.

لذلك، فإن وصف الذكاء الاصطناعي بأنه مجرد أداة لا يحسم وحده مسألة الملكية الفكرية، مثلما أن استخدامه لا يعني تلقائياً انتفاء الإبداع البشري. فالمعيار الذي يستحق الاهتمام هو طبيعة المساهمة الإنسانية ومدى ما تتضمنه من اختيارات إبداعية أصلية، وفقاً للشروط القانونية المقررة لحماية المصنفات.

ويمكن أن تتضح هذه المسألة في مجال الموسيقى، حيث يستطيع المستخدم كتابة كلمات أغنية والاستعانة بأداة لتوليد اللحن والأداء الصوتي، ثم اختيار نسخة من بين عدة نتائج وإعادة تعديلها. هنا لا بد من التمييز بين مساهمته في كتابة الكلمات، ومدى مساهمته الإبداعية في التكوين الموسيقي، والحقوق المحتملة المرتبطة بالأداء والصوت، وشروط استخدام الأداة نفسها.

إن الاعتراف باستخدام الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لنفي الحقوق عن المبدع البشري، كما لا ينبغي أن يصبح مبرراً لمنح حماية تلقائية لكل نتيجة مولدة آلياً، بصرف النظر عن طبيعة المساهمة الإنسانية فيها.

القانون رقم 2.00: إطار قانوني أمام اختبار جديد

في المغرب، يشكل القانون رقم 2.00 المتعلق بحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، كما وقع تغييره وتتميمه، الإطار التشريعي الأساسي لحماية المصنفات الأدبية والفنية والحقوق المرتبطة باستغلالها.

غير أن التحولات التي أحدثها الذكاء الاصطناعي تطرح تساؤلات حول مدى قدرة المفاهيم القانونية التقليدية على استيعاب أنماط الإنتاج الجديدة. فالتشريع المتعلق بحقوق المؤلف يقوم على مفاهيم قانونية ترتبط بالمؤلف والمصنف وشروط الحماية والاستغلال، بينما تتيح الأنظمة التوليدية إنتاج محتوى قد تتداخل فيه المساهمة البشرية مع المعالجة الآلية بصورة يصعب أحياناً تحديد حدودها بدقة.

ولا يتعلق التحدي هنا بمجرد تحديد الجهة التي تملك حقوق المصنف الناتج، بل يشمل أيضاً تحديد نطاق الحماية التي يمكن أن يتمتع بها المستخدم، وطبيعة الحقوق المرتبطة بالعناصر البشرية التي ساهمت في إنتاج العمل، ومدى إمكانية الاحتجاج بهذه الحقوق أمام المنصات والغير.

ومن الضروري كذلك التمييز بين مسألة حماية الناتج النهائي ومسألة استخدام الأعمال السابقة في تدريب النماذج. فحتى إذا أمكن إثبات وجود مساهمة بشرية أصلية في مصنف معين، فإن ذلك لا يحسم بالضرورة مشروعية استخدام أعمال الآخرين أثناء تدريب النظام الذي ساهم في إنتاجه.

وهنا تبرز إشكالية جوهرية: إلى أي حد يسمح الإطار القانوني باستخدام المصنفات المحمية في عمليات التدريب والتحليل الآلي؟ وهل يتطلب هذا الاستخدام ترخيصاً من أصحاب الحقوق، أم يمكن أن يستفيد من استثناء قانوني متى توافرت شروطه؟ وما الضمانات المتاحة للمؤلفين والفنانين عندما تُستخدم أعمالهم في أنظمة تجارية واسعة الانتشار؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة تستوجب قراءة دقيقة للنصوص القانونية ذات الصلة، وعدم افتراض أن كل عملية تدريب تمثل بالضرورة اعتداءً على حقوق المؤلف، أو أن كل استخدام تقني يندرج تلقائياً ضمن الاستخدام المباح.

مشروع القانون 013.26: تحديث التشريع أم الحاجة إلى قواعد أكثر وضوحاً؟

في سياق مواكبة التحولات الرقمية، حظي مشروع القانون رقم 013.26 القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم 2.00 المتعلق بحقوق المؤلف والحقوق المجاورة بموافقة مجلس النواب ومجلس المستشارين خلال يوليوز 2026، وفق المعطيات البرلمانية المنشورة بشأن مساره التشريعي.

ويأتي هذا المشروع ضمن مساعي تحديث الإطار القانوني المنظم لحماية الإبداع واستغلال المصنفات، في وقت أصبحت فيه المنصات الرقمية والتقنيات الجديدة تفرض واقعاً مختلفاً على أصحاب الحقوق والمؤسسات المكلفة بحمايتها.

غير أن تقييم قدرة التعديلات التشريعية على مواجهة تحديات الذكاء الاصطناعي يقتضي التمييز بين الأهداف العامة لتحديث القانون وبين المقتضيات التي تنظم بصورة مباشرة استخدام الأعمال المحمية في تدريب النماذج التوليدية. فوجود توجه نحو مواكبة التحولات الرقمية لا يعني بالضرورة أن جميع الإشكالات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي قد حُسمت تشريعياً.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى توضيح القواعد المطبقة على استخدام المصنفات المحمية في تدريب الأنظمة، وتحديد شروط الاستفادة من أي استثناءات قانونية، وبيان حدود التراخيص المطلوبة، فضلاً عن بحث الآليات التي تضمن الشفافية وتتيح لأصحاب الحقوق معرفة كيفية استغلال أعمالهم وممارسة حقوقهم وفقاً للقانون.

كما يظل من الضروري التساؤل عن مدى فعالية هذه القواعد في مواجهة شركات تكنولوجية تنشط على نطاق دولي، وتستطيع استغلال كميات هائلة من المحتوى الرقمي. فالتحدي لا يرتبط فقط بوجود النص القانوني، بل أيضاً بمدى وضوحه وقابليته للتطبيق، وبقدرة أصحاب الحقوق على اللجوء إلى آليات الانتصاف المناسبة عندما يتعرضون للضرر.

وبذلك، فإن السؤال المطروح ليس ما إذا كان تحديث القانون أمراً ضرورياً، بل ما إذا كانت القواعد المعتمدة قادرة على تحقيق توازن فعلي بين تشجيع الابتكار وحماية الحقوق المشروعة للمبدعين.

المبدع بين حماية الحقوق وتعقيدات المنصات الرقمية

بعيداً عن النصوص التشريعية، يواجه المبدع تحدياً عملياً لا يقل أهمية، يتمثل في صعوبة إثبات حقوقه ومتابعة أوجه استغلال أعماله عبر فضاء رقمي واسع ومتعدد المنصات.

فقد ينشر الفنان أغنية أو صورة أو مقطع فيديو، ليكتشف لاحقاً استخدام محتواه أو إعادة نشره أو إدراجه ضمن أعمال أخرى دون إذن منه. وقد يضطر إلى تقديم شكايات، وإرفاق وثائق إثبات، ومتابعة إجراءات تقنية وإدارية تختلف من منصة إلى أخرى، في محاولة لاستعادة السيطرة على عمله أو منع استغلاله غير المشروع.

وتتيح بعض المنصات أنظمة للإبلاغ عن انتهاكات حقوق المؤلف، وأدوات للتعرف على المحتوى وإدارته، غير أن الاستفادة منها قد تظل معقدة بالنسبة إلى المبدعين الذين لا يتوفرون على خبرة قانونية أو تقنية كافية. كما أن إثبات ملكية عمل معين لا يحسم بالضرورة جميع النزاعات المرتبطة بعناصره أو بمدى مشروعية استخدامه.

وفي عصر الإنتاج السريع، قد يجد المبدع نفسه مضطراً إلى تخصيص وقت كبير للإجراءات بدل التركيز على تطوير أعماله. ولذلك، فإن حماية حقوق المؤلف لا ينبغي أن تقتصر على توفير النصوص القانونية، بل يجب أن تشمل أيضاً تبسيط مساطر التبليغ والاعتراض، وتحسين الشفافية في معالجة الشكايات، وتوفير وسائل واضحة لتوثيق المصنفات وتتبع استخدامها.

ومن شأن تطوير أنظمة عمل أكثر سهولة ووضوحاً أن يساعد على تقليص العبء الإداري الذي يتحمله المبدعون، شريطة ألا تتحول هذه الأنظمة إلى آليات آلية لاتخاذ قرارات نهائية دون مراجعة منصفة عند وجود نزاع حقيقي.

كما أن المنصات الرقمية، بحكم دورها في توزيع المحتوى وتحقيق العائدات منه، مطالبة بتطوير سياسات واضحة تشرح للمستخدمين حقوقهم والتزاماتهم، وتتيح لأصحاب المصنفات الاعتراض على الاستخدامات التي يرون أنها تنتهك حقوقهم، مع ضمان إجراءات عادلة لجميع الأطراف.

حماية الصوت والهوية الفنية: تحدٍّ يتجاوز حقوق المؤلف

من الجوانب التي تستحق اهتماماً خاصاً قدرة الذكاء الاصطناعي على محاكاة الأصوات البشرية وإنتاج أغانٍ تبدو وكأنها مؤداة بأصوات فنانين معروفين، أو إنشاء محتوى يحاكي أساليبهم الفنية.

وتثير هذه الإمكانات أسئلة تتجاوز ملكية الكلمات أو الألحان، لتشمل طبيعة الأداء، واستعمال التسجيلات، والحقوق المجاورة، ومدى مشروعية استخدام الصوت أو الهوية الفنية لشخص معين دون موافقته، بحسب ظروف كل حالة والقواعد القانونية المنطبقة عليها.

فليس كل تشابه فني اعتداءً قانونياً بالضرورة، كما أن مجرد كون المحتوى مولداً آلياً لا يعفي من المسؤولية عندما ينطوي استخدامه على انتهاك لحقوق محمية أو لمصالح يعترف بها القانون.

ومن هنا، تبرز أهمية تطوير مقاربة قانونية متكاملة تميز بين حقوق المؤلف والحقوق المجاورة وغيرها من الحقوق ذات الصلة، بدلاً من التعامل مع جميع النزاعات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي باعتبارها مسألة واحدة.

نحو توازن بين الابتكار والعدالة في استغلال الإبداع

لا يمكن مواجهة التحديات التي يطرحها الذكاء الاصطناعي بمنطق الرفض المطلق للتكنولوجيا، كما لا يمكن اعتبار الابتكار مبرراً لتجاوز الحقوق القانونية للمؤلفين والفنانين والصحفيين وصناع المحتوى.

فالذكاء الاصطناعي يتيح فرصاً مهمة لتطوير الإنتاج الثقافي، وتسهيل التجريب الفني، وخفض تكاليف الإنتاج، وفتح المجال أمام مواهب جديدة لم تكن تملك الإمكانات التقنية أو المالية اللازمة لدخول بعض الصناعات الإبداعية. لكنه يطرح في الوقت نفسه أسئلة حول مصادر البيانات المستخدمة في التدريب، وشروط استغلال الأعمال، وتوزيع المنافع الاقتصادية الناتجة عن التقنيات الجديدة.

ومن ثم، فإن المقاربة الأكثر واقعية تتمثل في بناء قواعد واضحة تحدد حقوق الأطراف والتزاماتهم، وتضمن الشفافية في استخدام المصنفات المحمية، وتوفر آليات فعالة لتسوية النزاعات والتعويض عند الاقتضاء، مع مراعاة الحاجة إلى تشجيع البحث والابتكار.

كما أن تعزيز الوعي القانوني لدى المبدعين أصبح ضرورة عملية، سواء تعلق الأمر بتوثيق مراحل الإنتاج، أو الاحتفاظ بالنسخ الأصلية والملفات المرتبطة بالعمل، أو مراجعة شروط المنصات التي يستخدمونها، أو فهم طبيعة الحقوق التي قد تنشأ عن مساهمتهم البشرية في المصنفات المنتجة بمساعدة الذكاء الاصطناعي.

وفي المقابل، يتعين على المؤسسات المعنية بحقوق المؤلف مواصلة تطوير أدواتها التوعوية والتقنية، وتيسير وصول المبدعين إلى المعلومات والإجراءات اللازمة لحماية حقوقهم، مع تعزيز النقاش حول التحديات التي تفرضها الأنظمة التوليدية على المستوى الوطني والدولي.

الخلاصة: مستقبل الإبداع رهين بوضوح القواعد

إن الذكاء الاصطناعي لا يضع المغرب أمام خيار بين حماية المبدعين وتشجيع التكنولوجيا، بل أمام ضرورة إيجاد توازن قانوني ومؤسساتي بين الأمرين. فالمستقبل لا يتوقف عند تحديد ما إذا كانت الآلة قادرة على إنتاج محتوى يشبه الإبداع البشري، وإنما يمتد إلى تحديد من يتحمل المسؤولية، ومن يستحق الحماية، وكيف يمكن ضمان الاستخدام المشروع للمصنفات وتوزيع المنافع بصورة عادلة.

ويظل تحديث التشريع خطوة مهمة، لكنه يحتاج إلى مواكبة مستمرة للتطور التقني، وإلى توضيح المقتضيات القانونية التي تحكم تدريب النماذج واستغلال الأعمال المحمية، فضلاً عن تعزيز الشفافية وتيسير سبل الانتصاف أمام أصحاب الحقوق.

إن الاعتراف باستخدام الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يكون وصمة عار في مسار المبدع، بل فرصة لتطوير أدواته وتوسيع إمكاناته، شريطة احترام الحقوق التي يحميها القانون. فالتحدي الحقيقي ليس في منع الآلات من المشاركة في الإنتاج الفني، بل في بناء منظومة تكنولوجية وقانونية تتيح الابتكار دون تحويل أعمال الإنسان إلى مورد مفتوح للاستغلال دون ضوابط واضحة.

وفي النهاية، قد تتغير أدوات الإنتاج، وقد تتسع قدرة الآلات على توليد المحتوى، لكن حماية الإبداع الإنساني تظل رهينة بقدرة القانون على الاعتراف بالمساهمة البشرية، وصون حقوق أصحاب المصنفات، وتحقيق العدالة في استغلال الأعمال الفنية والثقافية.

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث