في ظل تراجع تدريجي للثقة بين الناخب المغربي والطبقة السياسية التقليدية، تأتي الانتخابات المقبلة كاختبار حقيقي لإرادة التغيير. بعد عقود من هيمنة نفس الوجوه، وتحول الولاءات الحزبية، وتكرار البرامج المشابهة، يظهر شباب مغربي جديد أكثر اتصالاً بالعالم، وأكثر وعياً بحقوقه، وأقل استعداداً للخضوع لمنطق “الاختيار بين سيئين”. لم يعد السؤال مجرد نسبة المشاركة، بل قدرة هذا الجيل على تحويل وعيه الرقمي وسخطه المشروع إلى قوة سياسية حقيقية تصنع البديل.
الواقع السياسي الحالي، الذي يشبهه البعض بـ”طنجرة الشوربة” ذات الطعم الواحد، يعكس أزمة تمثيل عميقة وسياسات نخبوية مغلقة. انتقال الوجوه بين أحزاب متنافسة أيديولوجياً يُضعف الهوية الحزبية ويُعيد إنتاج نفس النخب تحت ألقاب مختلفة، ما يغذي شعوراً عاماً باللامغايرة ويقوض الشرعية السياسية.
الشباب المغربي اليوم يمتلك أدوات غير مسبوقة للمعرفة والنقد والتنظيم عبر وسائل التواصل والوصول إلى المعلومات، لكن هذه القوة تصطدم بعوائق حقيقية: صعوبة الترشح ضمن قوائم حزبية مغلقة، هيمنة “الوجوه القديمة”، انشغال جزء كبير من الشباب بهموم العيش اليومية، وتراكم خيبات الأمل من الدورات الانتخابية السابقة التي تغذي العزوف.
ورغم هذه التحديات، تظل المشاركة الفعالة أوسع من مجرد التصويت في يوم الاقتراع. فهي تشمل الانخراط في الأحزاب أو تأسيس جمعيات وحركات مدنية للضغط والمراقبة، وطرح برامج بديلة وحلول عملية للقضايا المحلية والوطنية بعيداً عن الشعبوية، واستخدام المنصات الرقمية لنشر الوعي وتحليل البرامج ومحاسبة المنتخبين. والأهم، التصويت الاستراتيجي الواعي، لا للوجه الأكثر شهرة أو الحزب الأكبر، بل للبرنامج الأكثر مصداقية والأقدر على تمثيل مطالب الجيل.
الانتخابات المقبلة ليست مجرد موعد دستوري، بل لحظة اختبار نضج المشهد السياسي المغربي. يمكن أن تشهد تحولاً حقيقياً بدخول دماء جديدة وأفكار مختلفة تمثل الأغلبية الشبابية، أو أن تكرر نفس الدورة تحت غطاء التجديد الشكلي. الخيار متاح، لكنه يتطلب جرأة من الشباب للخروج من فضاء الاحتجاج إلى ساحة الفعل، وجرأة من الأحزاب لفتح أبوابها فعلياً. المستقبل السياسي لا يُمنح، بل يُصنع بالمبادرة والمثابرة، والشباب أمام فرصة تاريخية: أن يكونوا ضيوفاً على مائدة صنعها غيرهم، أو الطهاة الذين يحضرون المستقبل بوصفات جديدة.


Comments
0