استفحلت في الآونة الأخيرة ظاهرة غريبة في المؤتمرات والخطابات والتجمعات الجماهيرية السياسية بالمغرب، حيث لاحظ المتتبع المغربي بروز وسيلة جديدة للتواصل السياسي، ألا وهي البكاء.
فقد شهد الرأي العام عبد الإله بنكيران وهو يجهش بالبكاء خلال تجمع خطابي، كما لم يختلف الأمر مع محمد أوزين. وفي المؤتمر الثاني عشر لحزب الاتحاد الاشتراكي، ذرف إدريس لشكر الدموع، وصولًا إلى عزيز أخنوش الذي ظهر والدموع في عينيه، ممسكًا بمنديل، خلال المؤتمر الاستثنائي المنعقد يوم السبت.
هذه الظاهرة تُعرف بما يُسمّى البكاء السياسي، وهو سلوك قد يكون في بعض الأحيان مجرد أداء تمثيلي مدروس، يهدف إلى جذب الانتباه وتوظيف العاطفة كوسيلة للتأثير. وقد يكون هذا البكاء طبيعيًا أو عفويًا في بعض الحالات، لكنه يظل، في الجوهر، أداة تواصل تُستعمل للتأثير في الجماهير، حيث يوظف السياسيون الدموع في لحظات معينة ولأسباب خاصة.
ويُلاحظ أن البكاء يُستعمل أحيانًا لسد فراغ سياسي أو للتغطية على نقص في الخطاب والممارسة، فيُعوَّض ذلك باستدرار التعاطف خلال مناسبات محددة، مثل المؤتمرات الحزبية أو الحملات الانتخابية. غير أن المثير للانتباه هو أن سياسة الدموع، لدى جل السياسيين، لا تتحرك إلا عندما تُمسّ حرارة فقدان كراسي المسؤولية أو مواقع القيادة.
كما أن البكاء لم يعد مجرد تعبير إنساني، بل تحوّل إلى وظيفة سياسية لدى العديد من الزعماء، داخل المغرب وخارجه، وهو ما يندرج ضمن التواصل غير اللفظي الذي أصبح يعتمد بشكل متزايد على الصورة، خاصة في ظل هيمنة مواقع التواصل الاجتماعي وانتشار المقاطع الرائجة.
إن تباكي رجال السياسة بمشاعر أرهقها النفاق والتملق لا يعدو أن يكون احتقارًا للدموع واستخفافًا بعقول الجماهير، واستغلالًا لمآسيها في مشهد ميكيافيلي حقير، حيث تصبح الغاية مبررًا لكل وسيلة.
وهو ما أكدته الباحثة السياسية الفرنسية آن فانسون بوفو، حين اعتبرت أن البكاء في السياسة نوع من الفن، يُمارَس دون إظهار وجه محتقن أو صوت مكسور، في إطار أداء محسوب بدقة يخدم أهدافًا سياسية واضحة.
البكاء السياسي عند زعماء الأحزاب المغربية


Comments
0