ما الذي أسقط أسعار البيض في المغرب؟ سؤال يبدو بسيطاً، لكن الإجابة التي تُروَّج له أخطر من الحدث نفسه. فجأة، تحوّل “ترند” على مواقع التواصل للدكتور المصري المتوفي ضياء العوضي إلى متهم أول، وقُدّم كأنه القوة التي قلبت موازين السوق.
لكن الحقيقة لا تُبنى على المشاهدات، ولا تُختصر في مقاطع مثيرة. نعم، موجة الدعوات إلى مقاطعة الدجاج والبيض خلقت صدمة نفسية لدى جزء من المستهلكين. الخوف تسلل سريعاً، والتردد تبعه، فتراجع الطلب بشكل ملموس.
غير أن هذا الأثر، رغم وضوحه، لا يفسر وحده انهيار الأسعار. من يعتقد ذلك، يتجاهل أبجديات السوق.في الخلفية، كانت القصة تُكتب بهدوء. إنتاج وفير تجاوز حدود الاستهلاك، حتى أصبحت السوق مشبعة إلى حد الاختناق. تكلفة الأعلاف تراجعت، ما خفّض كلفة الإنتاج وأضعف هامش المناورة لدى المنتجين.
ومع ارتفاع درجات الحرارة، لم يعد هناك وقت للتريث: البيض سلعة لا تنتظر، وتأخير تسويقه يعني خسارة مؤكدة.ثم يأتي العامل الذي لا يُحبّ أحد مواجهته: القدرة الشرائية. المستهلك الذي ضاق ذرعاً بارتفاع الأسعار في الأشهر الماضية لم يعد يشتري كما كان. الطلب لم ينخفض فجأة بسبب حملة، بل كان يتآكل تدريجياً حتى أصبح هشاً، قابلاً لأي صدمة.عند هذه النقطة، يكفي دفع خفيف ليسقط كل شيء. وهنا فقط، لعبت الحملات الرقمية دور المسرّع، لا الصانع. ساهمت في تعميق التراجع، لكنها لم تخلقه من العدم.
النتيجة كانت حاسمة أسعار تهبط إلى ما دون 0.80 درهم للبيضة في بعض المناطق، بعد أن كانت تفوق 1.5 درهم. رقم يكشف حجم الاختلال، لا قوة الشائعة.المشكلة الحقيقية ليست في الانخفاض، بل في تفسيره السطحي. حين نُقنع أنفسنا بأن السوق تُهزم بـ”فيديو”، فإننا نغض الطرف عن أزمات الإنتاج والتخطيط والتوازن. وهذا أخطر بكثير من تراجع سعر سلعة.الدرس واضح لمن يريد أن يفهم: الاقتصاد لا يعترف بالضجيج، بل بالمعادلات. وما حدث في سوق البيض ليس انتصاراً لحملة، بل إنذاراً صارخاً لقطاع يحتاج إلى إعادة ضبط… قبل أن يتكرر السقوط بشكل أكثر قسوة.


Comments
0