تجلت القوة العلمية لهذه الندوة في ذلك الترابط الوثيق بين المقاربة الميدانية والتحليل النفسي الرصين، حيث شكل تألق الأستاذ هشام العفو، رئيس رابطة متخصصي الصحة النفسية والعقلية بالمغرب، عمود الارتكاز في هذا اللقاء.
فقد نجح بأسلوبه الراقي في نقل الحضور من التشخيص السطحي إلى الغوص في “السايكولوجيا المكسورة” للأطفال في وضعية تشرد، مؤكداً أن هؤلاء الأطفال يعانون من صدمات مركبة تجعل من الشارع بيئة بديلة للهوية، وهو ما يفرض على كافة القطاعات تبني لغة “الاحتواء النفسي” وإعادة بناء الثقة كخطوة تسبق أي إدماج اجتماعي أو إيواء مادي.
وفي سياق هذا التدفق المعرفي، انسجمت مداخلات المؤسسات المشاركة لتعزز هذا الطرح من زوايا مكملة؛ حيث ركزت مديرية التعاون الوطني على آليات الحماية المؤسساتية والرعاية الاجتماعية، بينما قاربت المديرية العامة للأمن الوطني الظاهرة من منظور الحماية القانونية والتدخل الميداني الآمن الذي يحفظ كرامة الطفل.
ومن جانبه، ربط قطاع التربية الوطنية بين الانقطاع الدراسي واتساع دائرة التشرد، في حين ركزت مندوبية الصحة على التبعات الجسدية والنفسية للإدمان والعيش في ظروف قاسية، لتكتمل الصورة بمداخلة العصبة المغربية لحماية الطفولة التي شددت على الترسانة الحقوقية الضامنة لمصلحة الطفل الفضلى.
هذا التكامل المؤسساتي، الذي أغناه الحضور الوازن للدكتورة صوفيا من خلال رؤيتها التحليلية التي أضفت رصانة أكاديمية على النقاش، جعل من الندوة منصة لالتقائية حقيقية. فبينما قدم الأستاذ هشام العفو “الروح” والعمق السيكولوجي للتدخل، قدم باقي المشاركين “الهيكل” التنظيمي والعملي، ليخلص اللقاء إلى أن إنقاذ الطفل من ضياع الشارع لا يكتمل إلا بتظافر جهود الأمن والتعليم والصحة تحت مظلة “المرافقة النفسية” التي تضمن استعادة الطفل لتوازنه الإنساني قبل كل شيء واكتملت فصول هذا العرس العلمي بلحظة تكريمية مفعمة بدلالات العرفان، حيث قامت مؤسسة التعاون الوطني بتقديم شهادة تقديرية متميزة لـ رابطة متخصصي الصحة النفسية والعقلية بالمغرب، تسلمها رئيسها الأستاذ هشام العفو.
ويأتي هذا التكريم تتويجاً لمسار حافل من العطاء والتدخلات الميدانية النوعية التي تقودها الرابطة، واعترافاً صريحاً بالأدوار الجوهرية التي تلعبها في إرساء دعائم المرافقة النفسية المتخصصة للفئات الهشة، وخاصة الأطفال في وضعية تشرد.لقد عكس هذا التوشيح مدى الثقة التي تحظى بها الرابطة كشريك استراتيجي للمؤسسات الوطنية، حيث لم يكن مجرد تكريم بروتوكولي، بل هو تأكيد على نجاعة المقاربة “السيكو-اجتماعية” التي يتبناها الأستاذ هشام العفو وفريقه.
فبينما ركزت مداخلات القطاعات الأخرى من أمن وتعليم وصحة على الجوانب المؤسساتية والتدبيرية للظاهرة، جاءت شهادة التقدير هذه لتؤكد أن العمل النفسي هو المحرك الأساسي لنجاح أي إدماج حقيقي، مثمنةً المبادرات الإنسانية والعلمية التي تبذلها الرابطة في “أنسنة” التدخلات الميدانية وجعل الصحة النفسية حقاً أصيلاً لكل طفل، وهو ما أضفى على ختام الندوة مسحة من الفخر والاعتزاز بهذا التكامل المثمر بين الخبرة العلمية والالتزام المجتم


Comments
0